• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 3 مارس 2026

    عبد الرازق أحمد الشاعر يكتب عن : رسالة إلى العربي الأخير .. ربما لن تصل

     

     


    الخارطة تتشقق حولك، والقنابل تتساقط فوق ينابيع نفطك وحقول غازك، ورمال المنطقة المتحركة تميد تحت قدميك .. فإلى أي قبلة تولي وجهك أيها العربي الأخير؟ وإلى أين تتجه وسط كل هذه العواصف؟ وماذا تفعل بعد أن رفضتك العواصم ولفظتك الخرائط؟ من فوق جبل التيه، لن يهبط عليك نبي يحمل الألواح، ولن ينزل عليك في رحلة التيه من ولا سلوى .. لا مائدة من السماء تحملها الملائكة، ولا عين ماء تفيض بين قدميك، فأنت من أحرق كتب السماء بيديه، وأدار ظهره لأنبيائه وقطع لسان أوليائه وسجن الصالحين تقربا وزلفى من أولى الأطماع والنبوءات الكاذبة.

    غريب أنت فوق الخارطة ومنبوذ من الجميع كفأر أجرب .. لا ملاذ لك حين تنفجر القنابل، ويثور الدخان، ويملأ الغبار رئتيك المعطلتين .. لا مهرب من مصير لطالما تحاشيته بكثير من التزلف والخضوع والذلة. وها هم القادمون من أقاصي المحيطات يميطونك كالأذى عن خرائطك القديمة، ويشربون نخب انتصارهم جماجم آبائك وفي قعر بيتك، مع نسائك وتحت سمعك وبصرك .. ها هم يخربون ما تبقى من تراثك، ويبولون فوق مقدساتك، ويعيثون فسادا في بقاياك النخرة.

    كنت تطمع في الحماية، وتشتري ولاء كلاب الحراسة بعائدات نفطك، فأسكنتهم قصورك، وأشبعتهم حد التخمة، وحين جد الجد ناديتهم، فلم يجبك إلا الفراغ .. الفراغ الموحش جدا. لا بأس بخيبة جديدة، فقد اعتدت الخيبات منذ أن تمردت على قوانين القبيلة، واعتبرت العادات والتراث رجعية. أقنعوك أن الدين خرافة، وأن الحداثة في تغيير ثيابك ولي لسانك، فخلعت إزارك، ووقفت في وجه الريح عاريا كتمثال شمع يابس على طريق وعرة لا يراه أحد ولا يأبه لوجوده أحد. واكتشفت أنهم يمارسون أشد الطقوس همجية في سبيل تحقيق نبوءات فاسدة تنتمي إلى عقائدهم المنحرفة.   

    أيها العربي الأخير، ها هو قطار الحياة يمر فوق شرايين أحلامك، فيمزق ما تبقى فيك من وعي، وأنت مصمم على ادعاء العجز وقلة الحيلة، وتجلس ككاتب فرعوني محنط في انتظار مخلص لن يجيء .. فتمسك بتلابيب الشرق تارة، وتبحث عن يد أمينة تمتد إليك من ضفاف الغرب أخرى، لكن سفينتك المثقوبة تزداد كل يوم يأسا وخيبة .. فمتى تستفيق من غيبوبة وهمك، وتشد حبال وعيك نحو ضفة آمنة بحق؟ متى تصنع سفينة خلاصك بيدك، وتلوح متحديا ضعفك وهوانك على الناس وقلة حيلتك؟ 

    هأنت تقف على أعتاب محطة فاصلة في كتاب التاريخ، وربما تكون المحطة الأخيرة، والمكان هنا مزدحم للغاية، مليارات الأجناس التي لا يطيق بعضها بعضا، ولا يأمن أحدها مكر أحد. وعدتك قليلة، ووعيك أقل، لكن الاصطفاف إلى جوار راع أو كفيل لن يزيدك إلا بؤسا وضعة، ولن يحول دون مصيرك البائس، فليس ثمة جبل يعصمك من الفتن القادمة، وليس هناك قوة تدفع عنك بطش الآثمين وجور الظالمين وتحديات كقطع الليل المظلم في مستقبل لا يستطيع أحد أن يثق بتقلباته ..  

     

    Shaer1970@gmail.com

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عبد الرازق أحمد الشاعر يكتب عن : رسالة إلى العربي الأخير .. ربما لن تصل Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top