دعونا من البهلوانيات المعتادة للرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ، فقد أعلن "الكاوبوى" الهزلى ، أن "الحوثيين" أبلغوه استسلامهم ، وأنه أمر فى المقابل بوفف القصف الجوى الأكثف الأعنف على اليمن ، وسوق "ترامب" ما جرى باعتباره نصرا ساحقا لجلالته (!) ، بينما كانت الحقيقة شيئا مختلفا بالجملة ، فقد آلت الحملة الأمريكية على اليمن إلى خسران مبين و"خيبة بالويبة "، وفشل الحشد العسكرى الأمريكى الهائل ، وبأقوى وأكبر حاملات الطائرات التى تملكها واشنطن ، وجرب "ترامب" حظه التعس ، وبغارات بلغ عددها الآلاف ضد ما تصورت واشنطن أنها مواقع ومخابئ للحوثيين ، وأعلنت مرارا عن مقتل عدد كبير من قادة "الحوثيين" العسكريين ، لكن "ترامب" اضطر فى النهاية للانسحاب بعد قصف متصل لخمسين يوما وليلة ، أسقط "الحوثى" خلالها سبع طائرات درون أمريكية من طراز "إم. كيو. 9 " ، وهى أغلى وأعقد طائرات مسيرة أمريكية ، تبلغ تكلفة الواحدة منها 30 مليون دولار ، وأضيفت السبع المتساقطا حديثا منها إلى ضعفها الساقط المدمر فى زمن الرئيس الأمريكى السابق "جو بايدن" ، أى أن خسائر أمريكا فى باب "الدرونات، وحدها ، بلغت أكثر من 630 مليون دولار ، بينما كان "الحوثى" يسقط الطائرة "إم. كيو. 9" بصاروخ لا تزيد تكلفته على 500 دولار لا غير ، أضف إلى خسائر واشنطن فى حملتها على اليمن التى استمرت لأكثر من سنة ، ما خسرته واشنطن فى الحشد والتعبئة وجولات القصف بالمقاتلات الشبحية والقنابل الخارقة للتحصينات ، وهى تكاليف قد تصل إلى نحو عشرة مليارات دولار ، ومن دون أن تكسب هدفا واحدا معلنا ، لا فى حماية سلامة مرور سفنها التجارية وقطعها البحرية ، ولا حتى فى حماية ربيبتها "إسرائيل" ، التى شنت هى الأخرى خمس حملات جوية عنيفة ضد "الحوثى" ، استهدفت مرافق مدنية محضة ، ودمرت موانى "الحديدة" و"رأس عيسى" مرات ، إضافة لتدمير مطار صنعاء ومصانع إسمنت ومحطات كهرباء ، ودونما نجاح يذكر فى ردع "الحوثيين" ، الذين واصلوا قصف كيان الاحتلال بطائراتهم المسيرة وصواريخهم المتطورة ، ودونما تراجع عن قرارهم "الإيمانى" فى مواصلة حرب إسناد الفلسطينيين المظلومين المحاصرين فى "غزة" .
ورغم سريان إشاعات وتهيؤات صاحبت إعلان "ترامب" المفاجئ بوقف قصف
اليمن ، إلا أن الضباب انقشع سريعا ، وتبين أن اتفاقا جرى عبر مفاوضات غير مباشرة
بوساطة سلطنة "عمان" ، كان المقاول اليهودى الصهيونى "ستيف ويتكوف"
ممثلا شخصيا لترامب فى التفاوض ، بينما كان القيادى "محمد عبدالسلام" ممثلا
للحوثيين ، وبعد تفاوض اتصل لأسابيع ، أصر "الحوثيون" على حصر الاتفاق
فى وقف إطلاق نار متبادل مع الأمريكيين دون "الإسرائيليين" ، وخضعت
إدارة "ترامب" للمطلب "الحوثى" ، ربما بسبب الخسائر المالية
الفادحة لواشنطن ، ويأس الجيش الأمريكى ، ورغبة "ترامب" فى الخروج من
الورطة اليمنية ، مع ترك "إسرائيل" وحدها فى مواجهة "الحوثيين"
، والمحصلة ، أن حرب الإسناد الأمريكى للكيان "الإسرائيلى" فى اليمن ،
توقفت إلى حين ، بينما أعلن "الحوثى" عزمه على مواصلة حرب إسناد "غزة"
، وإلى أحد الأجلين أو كليهما، إما إلى فك حصار "غزة" ، أو إلى وقف حرب
الإبادة الجماعية الأمريكية "الإسرائيلية" تماما ، وقد يلقى "ترامب"
بثقل ضاغط على "بنيامين نتنياهو" وحكومته الأشد تطرفا ، ويرغمها على
قبول وقف إطلاق نار موقوت مقابل إطلاق سراح عدد من الأسرى الأمريكيين و"الإسرائيليين"
فى "غزة" ، وهو ما قد تلحظه من تحركات أخيرة للوسيطين المصرى والقطرى
بضوء أخضر أمريكى على ما يبدو ، وأيا ما كانت حدود وطبيعة الصفقة المعد لها ومداها
الزمنى ، فإنها مرتبطة حكما بترتيبات زيارة "ترامب" المقررة أواسط الشهر
الجارى إلى الدول الخليجية الغنية ، وطموح الرئيس الأمريكى لجنى تريليونات
الدولارات فى صورة استثمارات لصالح أمريكا ، وهو ماجرى الإعلان عنه حتى قبل
الزيارة الترامبية الميمونة (!) ، ومن دون أن يقدم "ترامب" فى المقابل ،
سوى إيحاءات بمسافة ما تفصله عن خطط "نتنياهو" وحكومته ، التى أعلنت عن
إتمام إجراءات التصديق على خطة أسمتها "عربات جدعون" ، ومن وراء الاسم
التوراتى الوارد فى "سفر القضاة" ، والمنسوب إلى "جدعون" أحد
أنبياء الحرب الصارمين فى التاريخ العبرانى القديم ، تقضى الخطة الإسرائيلية
الجديدة القديمة باحتلال كامل قطاع "غزة" ، وتدمير ما تبقى فيها على نحو
شامل ، وطرد ملايين الفلسطينيين ، وحشرهم فى "رفح" بين محور "فيلادلفيا"
على الحدود المصرية ومحور "موراج الفاصل بين "رفح" و"خان يونس"
، مع التحكم فى توزيع الإغاثات الإنسانية من خلال شركات أمريكية خاصة بحراسة جيش
الاحتلال ، ثم تكون الخطوة الحربية التالية بتهجير ملايين "غزة" إلى مصر
، وتحت شعار إخلاء "غزة" لتنفيذ خطة "ترامب" سيئة الذكر ،
وعلى أن يجرى ذلك كله بزعم أولوية القضاء على "حماس" وأخواتها ، ولا
يخفى "ترامب" تأييده لما ينوى كيان الاحتلال اقترافه ، لكنه يريد ـ على
ما يبدو ـ إخراجا مختلفا ، يعطى له الأفضلية فى صناعة القرار الأمريكى "الإسرائيلى"
، ودونما مساس بأولوية "الاندماج الاستراتيجى" بين واشنطن وتل أبيب ،
يحاول "ترامب" التأكيد على أولوية دور "حكومة إسرائيل فى واشنطن"
على "حكومة إسرائيل فى تل أبيب" ، ويحاول نزع مخالب "نتنياهو"
فى البيت الأبيض ، على طريقة مفاجأته لحكومة "نتنياهو" بالشروع فى
التفاوض النووى مع إيران ، ثم قراره بإقالة "مايكل والتز" مستشاره للأمن
القومى ، بسبب التفاف الأخير عليه ، وإدارته لمفاوضات سرية مع "نتنياهو"
حول خطط "ضرب إيران" ، وإفشال المفاوضات النووية الجارية بوساطة "سلطنة
عمان" ، قبلها كان "ترامب" قد أمر نتنياهو علنا بالتفاهم مع تركيا
على خرائط التغ بالداخل السورى ، وبعدها كان قرار ترامب المفاجئ لكيان الاحتلال
بالخروج من ملاعب قصف "الحوثيين" ، وربما تقديم ترضيات صورية للنظم
العربية الموالية لأمريكا ، على طريقة اعتماد التسمية العربية للخليج ، الذى تنعته
طهران باسم "الخليج الفارسى " ، أو التظاهر بحس إنسانى إزاء مآسى
الفلسطينيين فى "غزة" ، أو السعى لضم دول عربية مضافة إلى مدار ما يسمى "المعاهدات
الإبراهيمية" ، وكلها تصرفات عبثية لا تغير من الواقع المرير شيئا ، وإن تصور
"ترامب" أنها قد تفيد فى الصراع الأمريكى متعدد الوجوه مع الصين ، بعد
صدمات فشل حروبه التجارية ورسومه الجمركية ، التى أخفقت مبكرا فى إنقاذ الاقتصاد
الأمريكى ، وزادت اضطراره للاغتراف من آبار الفوائض المالية فى منطقتنا المنكوبة .
والخلاصة الموقوتة فيما جرى ويجرى اليوم ، وفى الغد القريب ، أن "ترامب"
مهما ناور وداور مع "نتنياهو" ، لا يستطيع التملص من التزامات واشنطن فى
دعم "إسرائيل" ، والأخيرة هى "البقرة المقدسة" فى السياسة الأمريكية
، وعند كل الرؤساء الأمريكيين ، وعند "ترامب" بالذات ، الذى يفخر بدوره
فى التسليم لكيان الاحتلال بكل ما يريد ، ولم يتراجع "ترامب" فى اليمن
إلا تحت ضغط صمود "الحوثى" ، فلا شئ حربى يفلح فى اليمن بطبيعته
الجغرافية "الأفغانية" المعقدة التضاريس ، ولا إمكانية لردع "الحوثيين"
مع تطور إمكانياتهم التكنولوجية ، وتفوقهم الظاهر على خصومهم اليمنيين فى حرب "محو
يمنية اليمن" ، ومسارعتهم واستمرارهم فى إسناد الشعب الفلسطينى ، لا تبدو
مرشحة للتوقف ، وقد صاروا الجهة العربية الوحيدة المساندة بالنار للفلسطينيين ،
وبما منحهم شعبية عربية عامة ، قد لا تتوقف كثيرا عند ما جرى ويجرى فى الداخل
اليمنى الممزق ، وليس صحيحا ، أن المساندة "الحوثية" لم تضر بكيان
الاحتلال ، فقد نجح التحدى "الحوثى" فى شل ميناء إيلات "الإسرائيلى"
، وإخراجه عن الخدمة مع مطاردة السفن "الإسرائيلية" أو المتجهة للكيان ،
ثم أوحى نجاحهم الصاروخى الأخير بمقدرة فائقة ، تخطت كل طبقات الدفاع الجوى
الأمريكى و"الإسرائيلى" ، وسكن صاروخهم الفرط صوتى "فلسطين ـ 2"
على عتبة مطار "بن جوريون" ، ودفع ملايين "الإسرائيليين" إلى
الهروب للملاجئ فزعا ورعبا ، ودفع شركات الطيران العالمية لمقاطعة الذهاب إلى أكبر
مطارات الكيان لأيام طويلة ، وتفاقم خسائر الكيان وارد جدا مع التجدد المتوقع
لضربات "الحوثى" ، خصوصا أن حكومة "نتنياهو" تربط مصيرها
باستمرار الحرب على "غزة" ، والسعى لاحتلالها بالكامل بعد انتهاء زيارة "ترامب"
، وهو ما قد يعنى بالمقابل إعادة تنظيم صفوف المقاومة الفلسطينية ، ورفع وتيرة حرب
العصابات ضد جيش الاحتلال ، مع استمرار المساندة "الحوثية" الفريدة
عربيا ، وتزايد حرج أنظمة الاستسلام و"اتفاقات إبراهام" ، وذبول أدوار
الوساطة مع كيان الاحتلال ، واتساع رقعة الحروب فى المنطقة ، وبالذات مع رفض
السياسة المصرية التام لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء ، والتوتر المتزايد بين
القاهرة وتل أبيب ، وبين القاهرة وواشنطن ذاتها ، وزيادة معدلات التوجه المصرى
الرسمى إلى بكين وموسكو ، وما من فرصة للجم هذه التطورات الملموسة ، إلا بمتغيرات
من نوع اختفاء "نتنياهو" سياسيا ، وهذا هو تحدى "ترامب" الأكبر
.
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق