" وكان أبوهما صالحا " أية كريمة في سورة الكهف ، توقفت عندها أثناء قراءتى للقرآن الكريم عصر اليوم ، وردت الأية فى سياق الحديث عن قصة الخضر مع موسى عليه السلام عندما طلب منه أن يعلمه ما علم رشداً
والمتأمل في سورة الكهف يجد أن معظمها عجائب وحكم وفوائد وقواعد عامة للفرد وللمجتمع ، والتى قد يغفل عنها كثير من الناس، قال سبحانه ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ، وقال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ) .
" وكان أبوهما صالحا" جاء هذا السياق القرآني في قصة موسى والخضر عليهما السلام - وقصة الغلامين اللذين دفن أبوهما "كنز" تحت جدار البيت مدخرا لأبناءه إياه حتى يبلغا أشدهما ، فمات وهما صغيران ، فتهالك الجدار مع الزمن وكاد أن يسقطَ، فأقامه الخضر رغم ما لقاه هو وموسى عليه السلام من بخل أهل هذه القرية الذين لم يحسنوا استقبالها ولا ضيافتهما !
لكن العجب هنا والذى يجعلنا نتسائل : ما السبب الذي من أجله سخر الله نبيين كريمين عليهما السلام ( أو نبي ورجل صالح ) بحسب اختلاف العلماء في أن الخضر نبي أو رجل صالح ، يقطعان الأرض ليصلا لهذه القرية، ويكونا سببًا في حفظ مال الغلامين ؟!
ليأتي الجواب في ما ذكره المولى جل جلاله: (وكان أبوهما صالحا "
قال تعالى : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ )
وجاء في تفسير العلماء أن هذا الرجل الصالح كان اسمه "كاشح " وكان رجل صالح تقي أمين ، إذ أن الناس يضعون أمانتهم عنده فيحفظها لهم وهذا يعتبر الجد السابع كما يقول بعض المفسرين ، وقيل الجد العاشر ، ولهذا حفظ الله لهذين اليتيمين ذلك الكنز بصلاح ذلك الجد وحفظه حدود الله تعالى .
وهذا النص من تلك السورة يحتوي على عدد من الفضائل والفوائد ولو علم بها الإنسان وعمل بها ما خاب في الدنيا ولا الآخرة
منها : أن الله تعالى يكتب للصالح التقي المراقب لربه الخير في ذريته ولو كان بينهم من السنين أمد بعيد .
ومنها : أن صلاح الأبِ سببًا في حفظ الأبناء .
ومنها : إنها سنة ربانية وقاعدة إيمانية أن ينعكس صلاح الآباء على الأبناءِ ولو من أجيال بعيدة ، وقد شاهدنا صدق هذه القاعدة سواء في قصص وتاريخ السلف الصالح أو من خلال تجارب رأيناها رأي العين .
وأختم حديثي بفعل معلم وصاحب دعوة الإصلاح في الأرض رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما أُتي بتمر الصدقة فأخذ سبطه الحسن بن علي -رضي الله عنهما- تمرة منها وجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كخ كخ ليطرحها ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة"!
فنرجوا الله أن نحول بين أولادهما الصغار وبين ما حرم الله على عباده، وننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ' وقد استخرج تمر الصدقة من فم الحسن وهو طفل لا تلزمه الفرائض ولم تجر عليه الأقلام؛ فلنعتني بابناءنا ونطعمهم من حلال ونربيهم على التقوي - هكذا كان فهم الصالحون منطق "وكان أبوهما صالحا"

0 comments:
إرسال تعليق