
كان فيه عندنا زمان في القرية ظاهرة غريبة (وربما لا تزال موجودة) وكانت تغيظني وتستفزني أنا شخصيا... والظاهرة هي ظاهرة "كلاب الترع" أعزكم الله.
أيه حكاية كلاب الترع دي يا سيدي؟!
هذه الكلاب مش كلاب حراسة، تؤدي رسالة عظيمة، ولا كلاب بوليسية، ولا حتى كلاب خنافس تسلي صاحبها الخنفس...دي كلاب متمردة وأنانية، منعزلة عن القرية، مشغولة بنفسها...وفي نفس الوقت، عايشة في قمة السعادة والمتعة...وبالبلطجة.
هذه الكلاب الضالة تتجمع في حوالي من 5 إلى 10 كلاب، رسالتهم في الحياة، أنهم يجلسون إلى جوار القنطرة أو الكوبري، ويترقبون قدوم الوليمة، وهي عبارة عن حمار أو عجل ميت، جرفته مياه الترعة معها، إلى أن تعلق أو تصطدم هذه الجثة بالقنطرة أو الكوبري!!
في هذه اللحظة، يحدث تعاون وثيق بين تلك الكلاب، يتعاونون فيما بينهم لرفع الفريسة من الترعة، ثم يجرونها معا ليتم وضعها على جانب الكوبري، ثم يبدؤون في التهام الفريسة بكل متعة ومزاج.
في كل مرة كنت أمر فيها على تلك الكلاب، وأنا في طريقي للحقل، كنت أنظر (ومعي الحمار طبعا) إليها بحقد وغيظ شديدين...فهي كانت أفضل حالا مني كإنسان ومن الحمار المسكين الذي أركبه....أي والله كده....ليه بقى ياسيدي؟!
هذه الكلاب، بعد التهام وجبتها الدسمة، كانت تغرق في نوم عميق، وبمشهد مستفز للجميع، رأس الكلب في ناحية، وأقدامه في ناحية أخرى، أو مدلدلة على رأس كلب آخر، تعبيرا عن حالة الرفاهية التي تعيشها تلك الكلاب، على خلاف باقي كلاب القرية...والتي قد يموت بعضها جوعا من الفقر.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقد كانت تلك الكلاب تتجبر وتنهش المارة والعابرين الأبرياء لتظهر نفوذها...أومال أيه؟!
كانت تتعاون وتغلق أي باب أمام قدوم أو انضمام كلب غريب أو مؤدب لهذا الفريق الشرس...
وإذا ما تجرأ وفكر أي كلب غريب، أو كلب ابن ناس في الإنضمام لينال الشرف والمتعة، جزاؤه علقة ساخنة، إما تنتهي بموته أو بتوبته، وبالتالي يكون عبرة لباقي كلاب القرية...أي والله كده.
هذا المشهد القديم مع كلاب الترع في قريتي الصغيرة، يذكرني بمشهد نعيشه اليوم ، وعايشته أنا شخصيا خلال فترة عملي التنفيذي، على أيدي بعض (ولا أقول كل) الأرزقية والمتمسحين بالإعلام، في عدد من فضائيات الدمار الشامل (الخاصة طبعا)، ممن يتخذون من الخوض في الشأن العام مطية أو ذريعة لتحقيق أرباح طائلة ومرتبات مليونية....الخ.
تجدهم يقضون يومهم نيام في قصورهم ومنتجعاتهم، التي سكنوها من تجارة الكلمة ومن الخوض في جراح وآلام المطحونين...
هؤلاء ينامون في قصورهم حتى ما بعد العصر، ثم يستيقظون ويرتشفون قهوتهم، وهم يدلدلون أرجلهم في مسابحهم، ثم ينطلقوا في هجوم تتاري إلى استديوهاتهم، ليبدأوا الانقضاض على وليمتهم اليومية....أي والله كده.
ولهذا...تلاحظ أن خبر سقوط عقار أو احتراق منزل أو اغتصاب طفل، أو خطاء غير مقصود من مسؤول طافح الدم، تشاهده الساعة 8 مساء على القناة الخزعبلية، ونفس الخبر يقتنصه مذيع وفيلسوف عصره في القناة البطيخية الساعة 9، ثم يقضي آخر الفلاسفة سهرته على ذات الخبر...
تجد منهم من يتحدث بصلف وغرور واستعلاء، بعد أن نصب من نفسه وصيا على هذا الشعب، وهو ليس أكثر من جهل يتحرك على الأرض...ومن هم من دخل المهنة بالوراثة والواسطة...المهم ان يةاصل رحلة النهش في جسد الوطن..إنها "الوليمة" اليومية...مش كده ولا أيه؟!
فالقاسم المشترك بين هذه المجموعة (ولا أقول كل) من تجار الكلمة وتجار الوطن وبين ظاهرة كلاب الترع هو "الوليمة"، ينقضوا عليها ويلتهموها، وبعد انتهائهم من ابتلاع فريستهم اليومية، يعودوا لقصورهم المنيفة، ليستعدوا ويتكاتفوا لافتراس الوليمة الجديدة بعد أن فرغوا من وليمة الأمس...مش كده ولا أيه؟!
هؤلاء الذين يحصلون الملايين شهريا من الاتجار بآلام وطن وشعب يعاني، مشغولون فقط بأنفسهم وان ظهروا لك في زي حماة الوطن والمدافعين مصالحه...هؤلاء في حقيقة الأمر...هم العدو.
اقتصاديا...متى استهدف المشروع الخاص الصالح العام كهدف؟! متى؟!...هو ليس له من هدف سوى إشعال حريق (وفي الكثير من الأحيان افتعال قصص)، ليتمكن من جمع زبائن اكثر (مشاهدين)، وبالتالي اعلانات بالملايين...هذا هو الهدف وبس...ولا تحدثني مطلقا عن صالح عام...إنها الوليمة...دمتم بألف خير.
0 comments:
إرسال تعليق