وصفت
"مارجريت تاتشر" رئيسة الوزراء البريطانية السابقة في ثمانينيات القرن
العشرين, عرض العمليات الارهابية في وسائل الاعلام "الدعاية المجانية للإرهاب"
بالأوكسجين اللازم للإرهاب الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، لان تغطية الحدث
الارهابي اعلاميا يحقق مكاسب تكتيكية واستراتيجية للقائمين عليه. اذ ان وسائل
الاعلام تقوم احيانا، بلا قصد منها، بالترويج لغايات الارهاب واعطائه هالة اعلامية
لا يستحقها في ظل الاهداف التي يراد تحقيقها من وراء العمل الاعلامي او العمل
الارهابي وهي شهرة وسلطة ومال وتأثير فكري. فقد اوضح كل من الاستاذ "برونو
فري" والاستاذ "دومينيك رونر" من جامعة زيورخ في سويسرا العام 2006,
في بحثهما المعنون (الدم والحبر ! لعبة المصلحة المشتركة بين الارهابيين والاعلام)
ان الطرفين الاعلام والإرهابيين يستفيدان من الاعمال الارهابية. فالإرهابيون
يحصلون على دعاية مجانية لأعمالهم، والاعلام يستفيد ماليا لان التقارير التي تنشر
في هذا المجال تزيد من عدد قراء الجريدة وعدد مشاهدي التلفزيون، وبالتالي تزداد
مبيعات الجريدة وقيمة الدعاية المنشورة عليها وزيادة قيمة الدعاية التي يبثها
التلفزيون.
ان
تغطية العمليات الارهابية اعلاميا، واجراء مقابلات اعلامية مع الارهابيين تعتبر
جائزة او مكافأة لهم على افعالهم الاجرامية، اذ تتيح لهم المجال ان يخاطبوا
الجمهور ويتحدثوا اليه عن الاسباب والدوافع التي دفعتهم لهذا الفعل، ما يتسبب ربما
بإنشاء نوع من التفهم لهذه الاسباب، وذلك على حساب الفعل الاجرامي نفسه. فقد ذكر
الكثير من الاشخاص المنخرطين في العمل الارهابي الذين القي القبض عليهم في العراق،
انهم تأثروا بما كانت تعرضه القنوات الفضائية كقناة الجزيرة او غيرها في هذا
المجال، فقرروا الالتحاق بالمنظمات التي تحرض على القيام بالتفجيرات والعمليات
الانتحارية. اذ ان عرض المناظر والمشاهد المأساوية وتصوير الاضرار بشكل متكرر
ومبالغ فيه، اضافة الى بث وجهات نظر الارهابيين التي يقصد منها اثارة الخوف، تشكل
خطورة وتنطوي على ردود فعل سلبية من شأنها خدمة العمل الارهابي، خاصة في ظل تنافس
وسائل الاعلام المختلفة على النقل الفوري للإحداث المتعلقة بالإرهاب من اجل تحقيق
سبق صحفي، لاستقطاب اعداد متزايدة من جمهور القراء والمشاهدين، والذي قد يكون على
حساب القيم الاخلاقية والانسانية التي ترفض المساعدة في نشر العنف والتطرف.
وتؤكد
البحوث والدراسات العلمية التي اجريت في معاهد متخصصة في الغرب ان "لا معنى
للإرهاب من دون وسائل الإعلام"، ذلك لأن عرض ما تنتجه ماكنة الدعاية
الإرهابية على نحو متعمد من بيانات ومقاطع فيديو بشعة تركز على الأجساد الممزقة
والأشلاء المتناثرة والآليات المحترقة، يعد اسهاما مجانياً مباشراً في الحرب
النفسية التي تشنها التنظيمات الإرهابية وتشجيعاً على ارتكاب المزيد من الجرائم
بهدف التأثير في الرأي العام وارباك بعض مفاصل الحياة في البلد المستهدف. فالإرهابيين
لا ينقصهم المنصات الإعلامية التقليدية مثل الصحف الورقية ولا الفضائيات التي تروج
للعنف، وثمة العديد من الصحف والفضائيات العربية، التي تسهم بشكل مباشر أو مستتر
في الدعاية، ولكن تأثير الصحف الورقية، لم يعد كما كان في الماضي بل آخذ في
التضاؤل يومياً مع الانخفاض المستمر لعدد قرائها، والفضائيات ليست منصات ملائمة
لتجنيد الجهاديين أو التواصل بين أعضاء التنظيم، لذا فإن استراتيجية التنظيمات
الإرهابية الإعلامية قائمة على استغلال الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي
والهواتف الذكية للوصول إلى الناس والتنسيق بين الإرهابيين، على شتى المستويات. وفي
الوقت نفسه فإن التركيز المتعمد والعرض المتكرر للمشاهد الدموية لعمليات القتل
والذبح والتي تثير الرعب والأسى لأول وهلة، يعتاد عليها المشاهد تدريجياً ويفقد
اهتمامه بالآم الآخرين وتعاطفه الإنساني مع الضحايا إلى حد بعيد ويركز على أمنه
الشخصي وأمن عائلته ويظل نهباً للقلق والهواجس لأنه يخشى أن يتعرض لحادث إرهابي في
اي مكان من المدينة التي يسكن فيها، وهذا ما يهدف إليه الإرهابيون، اي نسيان آلام
الضحايا وعذاباتهم والاستهانة بالأرواح البشرية.
ويتضح
إن العنصر الضروري لأية سياسة فعالة ضد الإرهاب والحد من مخاطرة يكمن في منع
استغلال وسائل الإعلام خاصة الرقمية الالكترونية من قبل الإرهاب والتزام هذه
الوسائل بالموضوعية والحيادية والمعايير المهنية في تغطيتها للعمليات الإرهابية. الى
جانب تكثيف العمل على توعية الشباب خاصة الاعلاميين منهم, عبر اقامة دورات تدريبية
ومحاضرات تعليمية وارشادية, حول تجنب مخاطر الدخول او تصفح او الوقوع في فخ مواقع
الكترونية تعود الى تنظيمات ارهابية تحاول تجنيدهم لصالحها.
*كاتب
المقال
أستاذ
مساعد
وأستاذ
العلوم السياسية
والدراسات الإستراتيجية والمستقبلية
جامعة
بغداد

0 comments:
إرسال تعليق