• اخر الاخبار

    الاثنين، 13 أبريل 2020

    دراسة نقدية ..الناقد عبد الباري المالكي وقصيدة (يوسف في حضرة ابي الطيب المتنبي) للشاعر حماد الشايع


    دراسة نقدية ..الناقد عبد الباري المالكي وقصيدة (يوسف في حضرة ابي الطيب المتنبي) للشاعر حماد الشايع
    لاشك ان الصورة الحية التي يمثلها اي شاعر إنما هي صورة نابضة بعمق حياته ، ومعبرة بصدق شعوره الفياض ، وان كان ذلك الشعور هو الوثبات السريعة فإنها تعني التلقائية ، وهي السمة البارزة لديه ، فيعمل على وصل أبعاد مستوياتها المتوازية ، ويجعل منها صوراً متلاحمة الأجزاء ومحكمة الانسجام.
    من هذه الزاوية نلمس قدرة الذات لشاعرنا (الشايع) المتشعبة في تفكير خصب يمتّع به قرّاءه متى ما طالعوا قصيدة له ، وان لم يعرفوا انها تعود للشايع نفسه ، مثل عطر امراة يعرفها عشاقها جيداً .
    وشاعرنا في قصيدته هذه قد نزع زيّه المحلي ليلبس عمر زمنِ كل الأجداد ، ومتجلبباً قميص النبي يوسف عليه السلام ، ومحلقاً بحروف من الصبر الجميل حداؤها ، ومنهمكاً بكل مفردات حياته المتوائمة التي تجسدت بفجر نائم ، وسجن مهجور ، وعطر لزليخة ، ونسوة قطعن اهدابهن ، وشاخت نضارتهن ، كل ذلك تجسد في حضرة الشاعر ابي الطيب المتنبي الذي صاغ منظوماته الشعرية على هامش حياة اهل العزم والعزائم .
    وحين تتجلى قدرة شاعرنا الفذة في ربط عديد من الأضداد المحتدمة ، فان ذلك يمثل عمق المأساة التي يحياها شاعرنا بصدق فني انعكس ايجاباً في صور متحركة لحقيقة شملت مجموعة من العوامل النفسية والتاريخية ، بين حاضر وماضٍ ، وبين تفاعل وتغافل ، وبين سعة وضيق .... حتى اتسعت دائرة الصراع وبلغ أوجَهُ حين حار صوت الناي وارتاب ناظمُ .
    خياران اثنان فقط امام شاعرنا ...أحلاهما مرٌّ . اما السير دون ان يلتفت لعوائق مسيرته الطويلة لهدفه المنشود ، وإما الرجوع إلى الوراء متقهقراً ، وذلك مايوصف بالاختبار العسير .
    وامام ذلك العمر الممتد في ليل طويل نعاسُه ، والملبّد بالهموم الملحّة والآلام الموجعة ، والذكرى المستنزفة لسنين عجاف صاحبتْ حياةَ شاعرنا بين الخيال والحلم ، وبين ادراك لأرض تبدّل اخضرارُها يبساً ، امام كل ذلك نراه مستوعباً للفهم الواعي لواقعه ، ومدركاً بحق لكل مطامحه التي تتلخص في ان لايجثم صدرَ مباسمه الخوفُ ، ولا تتسمّر شمسُه على ابواب الظلام الحالك ، فلا بابَ يوصَد ، ولا دمعَ ساجمُ . وذلك الفهم والادراك لم يأتِ اعتباطاً وانما جاء وفق معايير واقعية ، وظروف موضوعية مكّنتْه من ادواته ليصل الى جوهر الصراع الدائب والمستمر . فعانى شاعرنا الحيرةَ الروحية حيث انتابه هاجس الطفولة البريء وهو يهوّم فوق سحاب وضباب ، يشترك مع بني جنسه العذابات ، ويعيش معهم الآلام التي ولّدتْها تلك الظروف القاهرة ، فلم ينحصر في عالم الخيال المحض حين لاذ بالجب القريب جذوره ، وحين استنجد بدربه الذي تاهت عنده مياسمُه ، فحرص على نبذ كل المظاهر التي تتعرى عندها الغصونُ ، وتستباح فيها البراعمُ ، غير متخذ للتطرف وسيلةً امام صورٍ طافت به امام ظهرٍ مكشوف ، وصبابةٍ عسى ان تُشتهى ، وتجاعيدَ لا تُخفى .
    وخلاصة الامر ... ان شاعرنا يعلم ان لاخيارَ له في عيش زمنه البائس ، ولكنه بنفس الوقت يعلم جيداً ان له الخيار في ان يكون مع هذا الجانب او ذاك من القوى المصطرعة بين العدل والجور ...ولاحيادَ أبداً.
    يوسف في حضرة ابي الطيب المتنبي / الشاعر القدير حماد الشايع
    (على قدر اهل العزم) جاﺀَكَ عازِمُ
    وجاﺀتْ إليكَ المُفرداتُ تُوائِمُ
    حروفٌ من الصبْرِ الجميلِ حِداؤها
    بها حارَ صوتُ الناي وارْتابَ ناظِمُ
    فما عادَ في أرضي اخْضِرارٌ لضحكةٍ
    وَخوْفٌ على صَدْرِ المباسِمِ جاثِمُ
    وَشمسٌ على بابِ الظّلامِ تَسَمّرَتْ
    فلا فجْرُنا اسْتلْقى لِينْهَضَ نائِمُ
    ولا امْتَدّ في الليلِ الطّويلِ نُعاسُنا
    ليسْتنْزِفَ الذكرى خيالٌ وحالمُ
    سنونٌ عِجافٌ صاحَبَتْنا ويوسفٌ
    على سجنِهِ المهجورِ ناحَتْ حمائِمُ
    فقد نامَ عند البابِ عِطْرُ زُلَيخَةٍ
    وهاجِسُ طفلٍ بالبَراﺀةِ قادِمُ
    جَنَحْنا لِذئبٍ عابقاتٌ ثيابُهُ
    فصارَ على قَدّ القميصِ يُساوِمُ
    فتَحْنا لهُ الأزْرارَ عند رِقابِنا
    فَعَرّى غُصوناً واسْتُبيحَتْ براعِمُ
    ولاذَتْ الى الجُبِّ القريبِ جُذورُنا
    وتاهَتْ على درْبِ الغروبِ مَياسِمُ
    ونِسْوَةُ قَهْرٍ قد هَمَلْنَ نواظِراً
    وقَطّعْنَ أهداباً فَشاخَتْ نواعِمُ
    فَقُلْ لي.. وَمَنْ يُلقي عليكَ بِبُرْدَةٍ؟
    وَظَهْرُكَ مَكْشوفٌ وثَغْرُكَ صائِمُ
    لِيَرْتَدّ نوْرٌ يَشْتَهيكَ صَبابَةً
    ويُخْفي تجاعيداً وَدَمْعُكَ ساجِمُ
    فانتَ نبيٌّ راوَدَتْكَ سنابِلٌ
    فلا أوْصَدَتْ باباً وانتَ تُقاوِمُ
    ولولا شهودٌ عند ظِلِّكَ أُرْسِلَتْ
    خَرجْنا سِراعاً للحصادِ نُزاحِمُ
    فَرُدَّ ضُعونَ النازحينَ وقلْ لَهُمْ
    (ستأتي على قدر الكرام المكارِمُ)
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: دراسة نقدية ..الناقد عبد الباري المالكي وقصيدة (يوسف في حضرة ابي الطيب المتنبي) للشاعر حماد الشايع Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top