
اطلعنا جميعا منذ يومين على خبرٍ يُظهرُ الرئيس الفرنسي في حوار ساخن ليس مع رئيس دولة أخرى، وإنما مع أحد المزارعين الفرنسيين .. نعم الفرنسيين .. نعم من شعب فرنسا التي يحكمها هذا الرئيس، وليس من دولة أخرى.
أصابتنا الدهشة حيث بدا الرئيس منفعلا في حواره حيث قام بزيارة إلى معـرض للزراعــة، وكان بعض المزارعين في استقباله، وقاموا بالتصفير مضايقة له؛ فإذا به يبدو متضايقا بعض الشيء، وظهر منفعلا في حواره مع المزارع الذي كان يعرض له بعض مطالبه ثم أمره – ولا تتعجب أخي المصري فأنا أعلم موقفك المندهش حاليا- أمرَهُ بأنْ يخفضَ صوته، فلم يرُد حراسه بشيء أو قامـــوا على الــفور باعتقاله أو أخرجوا له من حيث لا يدري ولا يحتسب كوارث من سجلات لم يعرفها من قبل .. بل إنــه رد عليه، وقال له: وأنتَ قمتَ بالتصفير بصوت عالٍ منذ قليل.. وكأنَّها مــشـادة كلامية عادية بدت بين مواطنيْن في نفس الدرجة والمستوى..
واندهش جميع المصريين أو العرب عامة: ما هذا؟! كيف يـجــرؤ هذا الـمــواطن على الرد على الرئيس بهذا الشكل؟!
بالنسبة لمواطني فرنسا الواقـفـيـــن في هذا المشهد فإنهم لم يندهشوا لأنهم يرون هذا الرئيس بمثابة موظف في منصب الرئيس فقط، وبمجرد أن تمضي فترة رئاسته سـيـعــود سريعا إلى صفوف الشعب مرة أخرى، وكأنه بلغتنا نحن (طلع على المعاش).
ما هذا؟! ألهذه الدرجة نحن متخلفون؟! ألهذه المكانة من الـعـمـق والفـهــم والإدراك، وصل هؤلاء الناس إلى الرقي، والفهم الحقيقي للواجبات والحقوق؟!
إن هذه المشادة الكلامية ليست جديدة على عصورنا الإســلامية، ففي عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حدث أكثر من ذلك، نعم رسول الله، الذي اصطفاه الله على البشر، وأرسله هِــدايــة لنا.. وكَلَّمَه بعضهم بهذه الشدة وتركه وأعجزه عن الكلام ليس بقطع لسانه، ولكن بقوة تواضعه ورحمته بالناس –صلى الله عليه وسلم- .. وكذلك سار على نفس الدرب خلفاؤه –رضي الله عنهم-، فالإسلام هو دين الـمــســاواة بين الناس، رفع شعاره العادل منذ أشرقت رسالته –صلى الله عليه وسلم– على الدنيا.
أما في عصرنا الحديث فقد تـنـاسـيـنا كـل هذه القيم، جعلنا من الرئيس أو المسئول منزلة أعلى حتى من منزلة الأنبياء، وضعناه بمكانة –ليته يستحقها-، لذا تجَبَّرَ علينا وطغى؛ فكل مسئول نجد له مجموعة من الحراس الذين يعملون له كخدم أيضا، يفعلون له ما ليس من متطلبات عملهم.
رأيت بأم عيني مشهدا لن تتخيله –عزيزي القارئ- في إحــدى الـجــنــازات كنت حاضرها قريبا، وكانت لأحد المشـهــورين، وإذا بوزير الثقافة السابق يخرج من المسجد ليجد حارسه الشخصي يجري أمامه بسرعة وكأنه يدافع عنه ويتصدى لغارة تكاد تفتك به، ولم يكن الــوضع كذلك، ولكن المــوضوع أنه يسبقه مُهرولا ليخرج من حقيبة تحملها يداه (حذاء سيده الوزير) ليضعه أسفل قدميه.. والـغريب أنه وزير الثقافة.. فأي ثقافة هذه التي تجعل النـاس في هذا التكبر؟! الثقافة والعلم كلما ازدادت لدى شخص ما، كلما كان تواضعه أشد وأكبر.. فَفَهْمه للحياة يجعله لا يتكبر أبدا..
لماذا نفعل بـأنـفــسنا هكذا؟! لماذا تهون علينا أرواحـنا هكذا؟! لمَ نصرُّ على أنْ نأخذَ من المسئولين الكلام وكأنهم يتصدقون علينا؟! وإلى متى سنظل في تَخلُّفٍ لهذه الـدرجــة؟! هل سيأتي اليوم الذي نرى فيه الرئيس المصري أيا كان اسمه يتحدث إليه الناس، ويرد عليهم وكأنه واحد منهم بالفعل؟!
إنَّ الناظر لما نراه في شوارعنا هذه الأيام قبيل الانتخابات الرئاسية المرتقبة لا يمكنه أن يصدق أنه سيأتي ذلك اليوم الـبعـيـد الـمـنال! فنحن كمصـريين نهوى ونعشق الإذلال، نحب بفطرتنا مَن يجعل منا أضحوكة العالم؛ فالإعـلام لم يعد ينتقد، وإنمــا هو الآن مجرد مصفق، وكذلك بقية فئات المجتمع.. كلنا نصفق وحسب، المسئولون عندنا لا نستطيع نقدهم أمام وجوههم، المسئولون في مصر عــلمونا النفاق، أورثونا عار الكــذب عليهم، جعلــونا نُقِرُّ أنهم مــلائكة جاءوا من السماء لا غبار عليهم، ألا يعلم هؤلاء أنهم سيقفون يوما للحساب أمام من لا يحتاج إلى شهود، فعِلمه - سبحانه وتعالى - لا يحتاج لتوثيق.. فهو العليم الذي لا تخفى عليه خافية.
أتمنى أن ترتـقــي أمـتـنـا العــربية شعوبا وخكاما؛ ليدركوا أننا جميعا من بني الإنس.. جميعا ولدتنا أمهاتنا أطفالا، ومــرت علينا مــراحــل الــرضاعة والفطام، وأصبحنا صبية نلهو أمام منازلـنا، ونعبث بالتراب، وكذلك نكبر لنصبح شبابا أو رجالا أو شيوخا، ويـهــزمــنا الـمرض والشيخـوخة، ثم نُدفن في التراب الذي جئنا منه.. أم أنَّ هؤلاء يُدفنون في الذهب ونحن لا ندري؟!
*كاتب المقال
كاتب مصرى
*أحبُّ الاستماع إلى آرائكم قرائي الأعزاء على البريد الإلكتروني الخاص بي
وعلى صفحتي على الفيس بوك بنفس العنوان :
a_ha3im@yahoo.com
0 comments:
إرسال تعليق