
لم اعرف كيف حدث هذا ؟
أطلبوا لي يد صاحبة هذا العنوان وإلا قتلت نفسي، قلت لأهلي وناولتهم عنوانها. كان العنوان بخط يدها الأنيق مكتوبا كلوحة فنان. منذ سنين ترقد المرأة في مقبرة دار السلام قيل لهم فعادوا محرجين .كانت العائلة معروفة للناس وكنت معروفا كذلك ،الأمر الذي حير أهلي .إلى أيام وأنا أتذكر موتها وأكاد ابكي بعد ان اقتنعت تماما انها ماتت وأني قريبا سأموت .كانت أعز أسراري .نعم كنت اعرف جيدا ذلك فكيف أبعث من يخطبها هي التي ماتت منذ زمان ؟ في سرادق مأتمها ، كنت أكثر الحاضرين حزنا يومها .بعد افتراقنا ،عرفت أنها ستموت ، فلا يعقل ان تظل امرأة عاشقة مرهفة الشعور تصاب بصدمة ، حيّة حتى اليوم، فلم أعطيتهم العنوان ؟ لن أعمر طويلا يا صاحبي ، سيشمت بموتي عشاق كثيرون خيبت ظنهم ، ستندم ذات يوم ، تحزن عليّ ويطول حزنك .ستندم يا هذا ولكن بعد فوات الأوان، قالت مرة فضحكتُ .سأموت قبلك يا صديقتي العرّافة ، ستطرحني كثرة الطعنات كيوليوس قيصر، يوما ما ستقتلني طعنة غدر من الخلف ، أما اذا نجوت ،فسأتعب كثيرا في البحث عن بديلة تسدّ فراغك الكبير يا حلوتي ، متعباً سأسقط ذات يوم ،على رصيف ما ،سيصرعني عبث التطواف في المدن والشوارع والبلدان بعدك ، نفسي تحدثني ، قلت . لن يحدث ذلك، فلك درع ضد الصدمات ، تماماً كدرع ذكَر السلحفاة ، قالت مداعبة وسوت شعرها بأصابع أترف من لبّة رأس خس. اسمع يا صديقي المشوش الأفكار ،ليس في الكون نسخة مثلي فكل واحد مناّ نسيج مختلف كاختلاف بصمات اصابع البشر قالت. بلطف داعبت انفي بطرف سبابتها . كانت أحاديثنا تدور قرب سياج مزار يقع على طريق الجامع الكبير الذي اقصده لأصلي خلف الإمام في ليالي الجمع .الطريق اندثر .إمام الجامع مات .قوسي الجسر الحجري القديم الذي يربط ضفتي نهر العشار ،تآكلتا . تهدم قوس بالكامل واندثرت عبارات الحب والمواعيد عليه .معظم العشاق ماتوا او قتلوا في تفجير او معركة أو سجن او في منافي الغربة . أنا بالصدفة نجوت من مذابح عدة . ابيضّ شعري وتقاعدت ،كل ذلك أعرفه ، في ساعات وحدتي أذكر نوبات جنون الحب تلك حينما كنت ، أغافل أهلي ، دون وعي تجرني قدماي لأقتعد دكة الجسر العتيق بانتظار فاتنتي، أخبيء وردة في ديوان نزار، طفولة نهد .بلهفة تخطف الوردة من الديوان . تدسها بين حمالة نهديها . تغفو الوردة بين دفء النهدين وأنطلق مزهوّاً أصفّر . تجلس صاحبتي على قوس الجسر بانتظار صديقة كي تزور المكتبة تتظاهر بقراءة جزء عمّ، أماّ أنا فأسرع نحو المسجد، كي ادعو لها خلف الإمام .ليس زيارة الجسر القديم المتهالك كانت تقلق اهلي بل الحديث لساعات طوال بصوت عال بصوتين مختلفين متصورا شخصا آخر يعاكسني فأرفع صوتي او يدي لأضربه أو أبصق عليه أو أضرب رأسي ..هكذا بدا الخرف !!!
0 comments:
إرسال تعليق