• اخر الاخبار

    الأحد، 9 أغسطس 2020

    قراءةٌ في قصيدة "سيل ظلمات " للشاعر مسعد سليم ..بقلم: د. أحلام الحسن

    قراءةٌ في قصيدة "سيل ظلمات " للشاعر مسعد سليم ..بقلم: د. أحلام الحسن

    تميزت قصائد الشاعر مسعد سليم بمعاصرة كتاباته للأحداث في خطوةٍ أدبيةٍ منه لمعالجة الظواهر السلبية في المجتمع العربي عامةً والمصري خاصة، و بإسلوبٍ جذابٍ مؤثرٍ في الحالة النفسية للقارئ والمتلقي، ويبدو عنوان القصيدة "حتى إنت كمان" ومن الوهلة الأولى مثيرًا للفت انتباه القارئ والمتلقي للقصيدة، وبإسلوبٍ فيه من العتب الشيء الكثير على من يخاطبهم الشاعر في قصيدته، بمعنى أنّنا لم نكن نتوقع منك هذه الامور وهذه السلبيات، ولقد استهلّ الشاعر قصيدته بقوله:
    " وانا شايل بقلبي ليكوا سلام .. والود ما بيننا ما زال الان
    هكذا ابتدأ الشاعر قصيدته ليعرج فيما بعد على مستجدات الحدث الذي دعاه لكتابة هذه القصيدة، وممّا عاناه بعض أفراد وطنه مصر في بعض البلدان العربية، حيث كان وقع تلك الجرائم على الشاعر وقعًا مؤلمًا، رسم صورته بريشةٍ أدبيةٍ ماهرةٍ وصوّره في قصيدته بكلّ حرقةٍ كقوله:
    طب ليه تبقوا مع الدنيا
    وكأنّ الروح ما عادت غاليه
    أوجاع وجراح كدا متتاليه
    إلى أن تبلغ مستويات التأثر مداها بالشاعر فينفجر في العتاب قائلًا:
    نازلين تقتيل نازلين إهانات
    وكان ضميرهم غاب أو مات
    وكأنّ الدم ماعادش حرام
    أرجوكوا كفوا عن الإجرام
    ونرى مدى وجع الشاعر وهو في أعمق الحزن لأمرين مهمّين وهما تمزّق الكلمة العربية وتفرّقها وما يعانيه بعضهم من بعض، وأوضاع المواطن المصري في تلك البلدان.
    أما من الناحية الأدبية اعتمدت القصيدة في كتابتها على أسلوب السجع الذي أعطاها شحنةً بلاغيةً جميلة الوقع على أذن المستمع أو القارئ وأمثلة ذلك قول الشاعر:
    وكأنّ الروح ماعادت غاليه .. أوجاع وجراح متتاليه
    أرحمنا يا رب من الاوغاد .. دول ظلمة وعاتوا فيها فساد
    نازلين تقتيل نازلين إهانات .. كأنّ ضميرهم غاب أومات
    هنا نرى دور الاستعارة المكنية من توصيل الفكرة في سلسلةٍ من السّجع العذب الجميل التراكيب اللغوية والمؤثرة في النفس البشريه المنبهة للضمائر السابتة، وبعد دوامة الوجع في الشاعر وفي قلمه يسترد الشاعر أنفاسه ليلتقط صورًا من الواقع في محاولةٍ أدبيةٍ فائقةٍ القدرة على التاثير المقنع للطرف الاخر، وبإسلوب التنبيه وإثارة عاطفة الأخ لأخيه حيث يقول في ذلك:
    والله يا ناس إننا مساكين
    و الهجره كانت لاجل القوت
    ما خطر على بالنا تنقلب موت
    ثلاثة مقاطع لها من الترابط الشيء الكثير في تصوير قدرة هذا النوع الأدبي المتميز بلهجته الدارجة ليس من شكٍ على أنه إبداعٌ وفنٌّ يمثّل هذا النوع الأدبي وما له من التدفق والتاثير على المستمع والقارئ لوجود تلك الرابطه العاطفية والعقلية المشدودة للحدث المؤلم" التقتيل " وبصوره المتلاحقة وبنغمته السجعية المموسقة والتي تهتز لها المشاعر، وتخرج النفس من حالة السبات إلى حالة التركيز والاهتمام.
    نعم إنّنا أمام شاعرٍ مرهف الحس يكتب بعفويةٍ تامةٍ من غير تكلفٍ، ويدفعه التاثر بالحدث للبحث عن تفسيرٍ لهذه الظاهرة المحزنة، هاهو في قمة الإنسجام بين مفردات القصيدة ووحدة الفكرة، ودون االاستطراد في السرد
    لابنقسى مره ولا بنهين
    لكن والله كتير بندين
    لما الارواح بيديكوا تموت
    وكأنّ ضغط زنادكوا ريموت
    نرى هنا استخدام الشاعر لإسلوب المجاز من صرف اللفظ عن معناه الظاهر ويعتبر المجاز من الأساليب اللغوية البلاغية لما له من قوة العلاقة الغير مباشرة للمعنى اللغوي " وكأنّ ضغط زنادكوا : ريموت ولا يغيب عنا استخدام الشاعر لكلمة " كأنّ " في بداية السطر حيث أنها أداة تشبيهٍ تشير إلى الشبه والمشبه به، وهو تشبيهٌ مستوفي اﻷركان زاداه المجاز جمالًا بلاغيًا.
    ويختتم الشاعر قصيدته المتألمة هذه بالتوجه إلى الله وبالدعاء بقوله :
    يامنجي يونس چوه الحوت
    و ب كن يسير كل الملكوت
    أجرنا يارب دسيل ظلمات
    وآهات چوانا بتبكي آهات
    وأتوقف هنا عند هذا البيت الذي يهز المشاعر بلغة البساطة والعفوية والتي تحولت إلى تصويرٍ بلاغيّ ٍ بلغ مطلبه من قوة التدفق والبيان وامتلاك قوة المؤثّر في المتأثّر، وما نوع ذاك البكاء !!
    آهاتٌ تُبكي آهاتٍ مثلها ! هنا نجد الفنّ اﻷدبي الجماهيري من الطبقة العاملة والبعيدة عن اﻷستقراطية المصطنعة، والبعيدة عن شعر البلاط المفتعل والمصالح الشخصية ..
    وحداد يوميا على أموات
    وكأننا كورة ونازل شوت
    سيل ظلمات
    وتعود للشاعر لغة التشبيه في كلمة " وكأنّنا كورة " في صيغةٍ ولغةٍ استنكاريةٍ صبّ فيها الشاعر كلّ وجده، كما نلاحظ الصياغة الرمزية والتي أضافت مزيدًا من البنيوية ومن أدوات الترابط الداخلية بين فقرات القصيدة، كورة .. شوت .. سيل ظلمات .. والتي توّجت القصيدة بكلمةٍ أقل ما يقال عنها إبداعٌ في قصائد اللغة الدارجة.
    حَتَّىٰ انتوا كمان ؟!
    دا انا شايل ليكوا بقلبي سلام
    والوِد ما بينَّا مازال للآن ..
    طب ليه تِبقوا انتوا مع الدُّنيا
    وكأنِّ الرُّوح ما عادِت غاليه
    أوجاع وجراح كِدا مُتتاليه
    الرَّحمَه يا خالق مِن عَندك
    إرحمنا يا رب مِن الاوغاد ..
    دُول ظَلَمَه وعاثوا فيها فساد
    نازلين تَقتيل نازلين إهانات
    وكأنِّ ضميرهُم غاب أو مات
    وكأنِّ الدَّم ماعادش حرام ..
    أرجوكوا خِفُّوا مِن الاجرام
    والله يا ناس اننا مساكين
    والهِجرَه كانت لَجل القُوت
    ما خطر عَلىٰ بالنا تِقلِب موت !!
    يا عذاب بزياده سيبنا وفوت
    ماشبِعنا اوجاع إيه القِصَّه ..
    مُش ناقصَه كارثَه ورا كارثَه
    يا عرب والله احنا المَرسا
    فـِـ الشِّدَّه قلوبنا ليكوا ديار
    والغاليَه طول العُمر عَمار
    يبقىٰ مُكافأِتنا ضَرب النَّار !!
    الرَّحمَه يا ناس خِفُّوا علينا
    فـِـ كرمكُم قُولنا وغنِّينا
    ما احنا بطبعِنا بِنحِبِّ النَّاس
    وأدبنا مزوِّد بالاخلاص ..
    ومعانا اخلاق تقدير مُمتاز
    ولذلك طُول عُمرنا صابرين
    لا بنقسىٰ فْــ مَرَّه ولا بنهين
    لكن والله كتير بندين ..
    لمَّا الارواح بأيديكوا تموت
    وكأنِّ ضَغط زنادكوا ريموت !!
    الرَّحمَه يا رب بناس هانوا
    يا منجِّي يونس جِوَّه الحوت
    وبْــ كُن بيسير كُلِّ المَلَكوت
    إجبُرنا يا رب دا سيل ظُلمات
    وآهات جوَّانا بتبكي آهات
    وحداد يوميا عَلىٰ أموات
    وكأننا كُورَه ونازل شوت !!
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: قراءةٌ في قصيدة "سيل ظلمات " للشاعر مسعد سليم ..بقلم: د. أحلام الحسن Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top