• اخر الاخبار

    الأحد، 16 أغسطس 2020

    في قلب الحدث ..قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير : عيسى عبد الملك


    في قلب الحدث ..قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير : عيسى عبد الملك

    كانت قد تهيأت لرسم لوحة  فكرت بها طويلا .لوحة تفرغ فيها كل احاسيسها الحبيسة التي تختلج في اعمق اعماقها والتي باتت ترهقها .دخلت مرسمها . نصبت مسند اللوحات . منذ ليلة البارحة كانت اختارت القياسات والألوان واكثر من اسكتش جربت .بعد ان أحكمت اغلاق باب غرفة المرسم جذبت تنهيدة ارتياح .في المرسم المعطر دائما، اجتاحتها رغبة ملحة في ان تدخن سيجارة، سيجارة من التي تدخنها في حالات نادرة تصحبها .ولكي يكمل المشهدكعادتها ولأن العمل مهم رأت ان  تحتسي معه فنجانا من قهوتها البرازيلية المفضلة .   أشعلت  سيجارتها و بصوت هاديء راحت  تدندن ، تجيني بضحكتك  .!
    شعرت بنشوة وهي تخاطب ذلك الغائب المفترض. يا الهي رغم كل الخواء مازالت هناك في الحياة زوايا مضيئة هتفت غيرانها لم تكد تكمل  الجملة حتى  مادت الارض بها  . ومثل زورق في وسط عاصفة في بحر هائج اضطربت ارضية المرسم .تبع ذلك دوي إنفجار هائل .اهتزت جدران المرسم ،تطاير زجاج النوافذ ودون وعي صرخت يا الهي  انه زلزال. سترك يارب .لم يكن زلزالا بل تفجيرا بحجم قنبلة ذرية ضرب المدينة . صمد بيتهم لكن بيوتا لا تعد تهاوت وطمرت ساكنيها .في الخارج اختلط عواء صفارات سيارات  الاسعاف بصراخ الناس المرعوبة و غطى المدينة ظلام دامس.اطلت من فتحة شباك كان قد خلع بتأثير الانفجار .هالها ما رأت. اعداد لا تعد من سيارات محطمة ، عجلاتها مرفوعة نحو السماء كما سلاحف لعب بها اطفال عابثون. في داخلها حبس اناس يستنجدون وفي السماء سحابة سوداء تجاورها واحدة حمراء.منظر لم تشاهد مثله غطى سماء المدينة .انه زلزال ضرب المرفأ راح رجل مذعور يصيح .ياخي شو عم تحكي هيدي قنبلة ذرية قال رجل كبير السن ممن عاصروا نكبة هيروشيما اليابانية . نصف معالم المدينة ازيلت كلن من الوجود مر  ثالث  يصيح مذعورا .في الصباح راح الناس يبحثون بين الانقاض عن احبابهم .اما هي فبشعور الفنان ارادت ان تخلد مشهد المدينة التي شاءت الاقدار ان تكون شاهدة على نكبتها .ولكي لا تنفجرحزنا عزمت على تفريغ مشاعرها تنزع الفتيلة عن قنبلة احتجاج من زمان زرعت عنوة في داخلها عليها ان تكون في قلب الحدث لا بين النادبات .تسخر الفرشاة والألوان واحساس الانسانة الفنانة  تسكبها على لوحة تخلد الفاجعة .حملت مرسمها والوانها وخرجت للشارع المزروع بالمطبات و الحفر ، وكان  المأزق اذ مامن سيارة تقلها فالناس مذعورون والطرق مغلقة بحطام السيارات وركام الابنية والمحلات والمعارض.  كل الطرق معطلة  كيف تقطع المسافة الطويلة لتصل قلب الحدث؟ وقفت سيارة جيب عسكرية سألها ضابط لوين بدك تروحي يا ست ؟شو هيدي الجعبة معك ؟ .انا فنانة، بدي ارسم المشهد كما هو، قالت وهي تغالب انفعالها  .اصعدي .في عرض الشارع امام بناية من عدة طوابق تعرفها  كانت قد دمرت تماما نزلت .نصبت عدة الرسم وراحت ترسم لا بيديها بل بمشاعرها واعصابها وبكل ما فيها من احساس .رسمت بناية ضخمة مهدمة ومن تحتها وقفت شجرة ارز منتصبة خضراء . كان الذين يمرون بالرسامة يتوقفون مندهشين امام ظاهرة فريدة.فنانة ناصعة البياض ترتدي السواد تقف وسط الخراب لتبعث الحياة  وتزرع الامل في نفوس تصدعت قناعاتها  .لم تبق الا اللمسات الأخيرة حينما سمعت صراخ طفل يأتي من مكان ما .توقفت عن الرسم .اصغت بانتباه . حددت مكان الصوت.  يا الهي، من صوب  انقاض البناية .ركضت دون وعي .امام تل من ركام البناية  التي كثيرا ما ترددت عليها وقفت مذهولة .من تحت الركام برزت يد طفل.لطفك يارب صرخت . جثت على ركبتيها ومثل فاقد للعقل راحت تزيل الركام. برزت ذراع الطفل ملطخة  بدلته الزرقاء بالدماء .صرخت تستغيث .هرع بعض المسعفين من الشباب المنتشرين في ارجاء موقع الكارثة. كان الطفل مهشم الراس تماما وقد جحظت عيناه  . سحبوا الطفل من حضن امه التي طمرت تحت تل من الركام .انقذوا الفنانة فقد أغمى عليها صرخ احدهم .
    عند رأسها، على ركبتيها جثت  فتاة وراحت بشال رأسها الحريري تمسح الدم عن راحتين ارق من قطعتي قيمر عراقي ..  . !!
    **هذه القصة مشاركة لشعبنا اللبنانى الشقيق في نكبته

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: في قلب الحدث ..قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير : عيسى عبد الملك Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top