عشتُ وما زلتُ مفتخراً ومنتشياً مرفوع الرأس بما لمسته من أبٍ وأمٍ حاولا جاهدين غرس الفضيلة والقيم والخُلُقِ فينا منذ نعومة أظافرنا، لأراهما في أحلامي ويقظتي جناحين يرفرفان فَيَمْلَأ الكون من حولي لحناً عذباً أسمع صداه مليئاً بالمشاعر والرقي والحب والعطاء، فانتقل هذا الموروث المكتسب ليصبح نمط حياة.....هكذا تربينا وما زلنا.
لذا فلم أكن أتوقع أن أمر وفي وقتٍ قصيرٍ من لحظاتِ نضجي الأولى، بتلك السلوكيات والمشاهد والخبرات التي تُشوش العقل وتُؤلم النفس وتُمرض الجسد. فكيف بمن لا يزال في مقتبل عمره لم يتجاوز السادسة عشر، أن يتحمل تناحر الأفكار واختلاط المبادئ في عقله الباطن بين المأمول الذي جُبِلنَا عليه وبين واقعٍ كثير من مشاهده مؤلمة، أصعبها وأقساها على نفسي ناكري الجميل، حينما يشاء بقدرته مقلب القلوب أن يُعَرِّيهم ويُظهر حقيقتهم الشيطانية وهذا المسخ المشوه الذي نَبُتَ بداخلهم وَسَقَوْهُ غَسَّاقاً وحميماً ممزوجاً بحقدٍ أسود. تلمستهم من حولي وفي كل مكان كالبذور العفنة والتي تحاول وبكل الطرق أن تنبت على جذوع النخيل محاولة الوصول لثماره الطيبة، ولكن هيهات أن تفلح. فستظل منابت الأرض الطاهرة تلفظها، وستظل تحملها رياح الخماسين حتى تجد ما يناسبها من منابت بركية أو مستنقعات.
فناكري الجميل وباء طفيلي داخل الأسر والمجتمعات والأوطان يستغلون ويمتصون ثم ينكرون ويجحدون بل ويتطاولون، وهذا وللأسف ما لمسته جلياً وما رأيته رأي العين، فترك جُرحاً غائراً في صدري لا أتوقع له أن يلتئم، فما أصعب اللحظة التي تجد فيها صاحب الفضل والعطاء يتألم فما بالكم إن كان في حد ذاته يمثل بالنسبة لي كل معاني الحب والحياة. ولكني وخلسة وجدته وكأن وجهه مستبشراً، هل لأن الحقائق تكشفت له ، أم حمداً لإلهٍ واحدٍ أَظْهَرَ له الوجه القبيح لمن حوله، أم لأن فلسفته قد تتغير إلى صُنْع الجميل في أهله وفقط.
وصدق المتنبي حين قال:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وبنظرة أعم وأشمل وجدت أن ناكري الجميل لم تسلم منهم حتى الأوطان، ففي كارثة كالتي نعيشها وهي فيروس كورونا، يقهرك سلوكيات وأفعال ناكري جميل الوطن من احتكار واستغلال وسيطرة الأنا وغلبة العقلية التجارية على مصلحة الوطن والعامة، فيخرج علينا البعض باستهانة للتأكيد أن الأهم هو استمرار الحياة من أجل دوران عجلة الاقتصاد وتجنباً لانهيار استثماراتهم، ضاربين بعرض الحائط حياة البشر، متناسين لما يقدمه الوطن لهم، مصرحين وبتطاول وبجاحة يكفي ما قدمناه من تبرعات. فبماذا تبرعت حتى تتفاخر أيها الِإمَّعة، هل وصل تبرعك مثلاً إلى نسبة ٢٨٪ من ثروتك بما يعادل مليار دولار(تقريباً ١٨ مليار جنيه) كما فعل جاك دورسي مؤسس شركتي تويتر وسكوير، هل فتحت مصانعك لتصنيع ملابس وأدوات للجيش الأبيض كما فعل المصمم الإيطالي جورجيو أرماني بخلاف تبرعه النقدي. أم يكفيك فخراً تحويل نصف ثروتك إلى ذهب لِتُأَمِّنْ بها حياتك، لذا فأنصحك بالذهاب في رحلة استكشافية لبحيرة قارون وهي ليست عنك ببعيد لعل وعسى تُدْرِكْ قبل أن تُدْرَكْ.
قال تعالى "أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" ﴿الأعراف 99﴾
فالعطاء والحب فضيلة ربانية يهبها لمن يشاء سبحانه، لتكون كنهرٍ جارٍ بين الإنسانية ليستمر التكافل ويظل شريانها ينبض بالحياة.

0 comments:
إرسال تعليق