على
خطى حفلات التلفزيون التي كنا نراها على مرِّ السنوات الماضية تمَّ تنظيم حفلٍ كبير
بإستاد القاهرة للاحتفال بعيد الحب، وتتابعت الفقرات والمفاجآت من المطربين
والمطربات حتى حانت اللحظة المناسبة لتقوم مقدمة الحفل المذيعة الكبيرة "جاسمين
طه" والتي لطالما أمتعتنا ببرامج مميزة منها: "صباح الخير يا مصر"،
"أوبرا شو"، وغيرهما.. إذا بها تقدِّم فقرة أخجل أن أُطلقَ عليها غنائية
لاثنين ممن يطلقون على أنفسهم "مطربي المهرجانات".. أحدهم يُدعى "عمر
كمال"، والآخر يُدعى "حسن شاكوش".
وفي الحقيقة لن أستطيع أن أغمضَ العين عن
وجودهما على الساحة الإعلامية منذ فترة؛ فقد لمحتهما على شاشات التلفاز وأنا أقلب
تلك القنوات العديدة كعادتي دون أن أستقر على قناة بعينها، المهم أني شاهدتهما على
أكثر من قناة وبخاصة هذا الكائن "شاكوش"، وكأنه كنزٌ ثمَّ العثور عليه
في مصر، ومن الصدمة الكبرى أنك ترى المذيع أو المذيعة في قمة الانبهار والسعادة
بوجوده ويحرك شفتيه وكأنه في حالة طرب مع هذه الفقرة البائسة والتي أطلق عليها "مهرجان
بنت الجيران".
في كل مرة أشاهد هذه النماذج أضحك ساخرا
وحزينا على ما وصلت إليه الأذواق في بلادنا، وكم أخذتني الحسرة هذه المرة على
هؤلاء الناس الذين يتجاوبون مع هذه النوعيات مما لا تمس الفن في شيء!
والسؤال الآن: ما هذا الضياع الذي وصلنا إليه؟!
عصر لم يعد يعبر عن فجواته وثغوره وانحرافاته سوى هذه الأشكال الغريبة من "الفقرات
الصداعية" التي يلهث وراء صنعها كل مَن يحاول أن يسرقَ البراءة والجمال
والذوق في بلادنا!
كان الفن ذات يوم من أجمل ما يحرك الناس
قلوبا وعقولا نحو الأرقى والأجمل هدفًا وذوقًا.. والآن نعيش في صدمات متتابعة فكل
يوم يظهر لنا بلا خجل من يقول لنا إنه "مطرب مهرجانات".. لم يجدوا لهم
بين المطربين مكانا فأطلقوا على أنفسهم هذا المسمَّى ليجدوا لهم سبيلا للشهرة
والأموال على حساب الكثير من المبادئ والأهداف والقيم، فكلماتهم - إن كانت هناك
كلمات- تُظهِر بقوة قمة الجهل والتخلف والضياع وكل ما هو قبيح وعديم ذوقٍ وصل إليه
شباب هذا العصر الذين أصبحوا مدمنين لهذا اللون الأسود من الضياع والانحدار الفني.
على خطى "محمد رمضان" أصبح هؤلاء
المرتزقة يحاولون الوصول خلفه لنفس المادة والشهرة ولا عجب في ذلك، فدائما ما
يُقال: إنَّ الفنَّ مرآة الشعوب والأمم، فإذا أردتَ أن تعرف شعبا وحضارة وأمة
وفترة تاريخية معينة فعليك بالنظر إلى فنَّها لتتعرف عليها عن قرب، والدليل على
ذلك عصرٌ مضى من الفن والذوق والرقيِّ لم يتكرر حيث كان الفن له دور في كل شيء،
وكان الفنان يسعى بكل ما لديه من مَلَكَات وقدرات ومواهب ليؤثر في قلوب وأسماع
الناس، لذلك كان هذا الفن خالدًا ولن يموت أبدا..
أما ما نحن فيه فهو مجرد عطل طرأ على أفئدة
وأسماع البشر الذين يعيشون معنا.. فقد خارت قواهم العقلية وتلوثت فطرتهم فأصبحوا
لا يميزون بين الجمال والعبث، ولا يفرقون بين الفن والتلوث السمعي!
لدينا شبابٌ أصبحوا نتيجة هذا العبث ضحايا
لكل ضياع نمرُّ به، ضحايا كل تجربة مريرة للذين يريدون مجرد الثراء على حساب كل
قيمة.. وأغرب ما في هذا الموضوع هو العجز الذي أجده من الدولة والرقابة وتغافلها
عن هذه الأشكال، وكذلك هذه القنوات والصحف وحتى المحطات الإذاعية والتي أصابها
الشلل والفتور؛ فلم تعد تجد ما تقدمه للناس مما يصلح أذواقهم، ويرتقي بأطفالهم
فتبحث عما يُحدث مجرد ضجة والسلام!
أعزائي ممن لا يزالون على فطرتهم ونقاء
قلوبهم وصون أسماعهم وفي زمنٍ عزَّت فيه الفطرة؛ عزاؤنا الوحيد أنَّ هذه الفترة
العبثية مجرد صدمة ولا بدَّ أن تمرَّ وتنقضي، لا بدَّ وأن يفيق هؤلاء الملوثون
شبابنا .. لا بد وأن يأتي اليوم الذي يطغى الجمال على القبح، والذوق على التلوث،
والفن على العبث، لا بدَّ وأن يعاودنا شعاع النور الذي يأخذ بأيدينا نحو الصواب
والفطرة، ونحو الكمال والإيمان.
**
أحبُّ الاستماع إلى آرائكم قرائي الأعزاء على البريد الإلكتروني الخاص بي
وعلى صفحتي على الفيس بوك بنفس
العنوان :
a_ha3im@yahoo.com

0 comments:
إرسال تعليق