حكايات الميراث وانتظار الموت للمريض طمعا في وراثته رغم بشاعتها الانسانية الا انها تحمل الطرفة احيانا لكن ماذا اذا لم يكن الإرث مالاً او أفدنة وعقارات؟ ماذا لو كان الارث كرسي العرش ؟ فالملوك والحكام ايضا يلهثون وراء ميراث كرسي الحكم .. وتلك حكاية بيسي بك مع الامير اسماعيل رواها لنا المؤرخ الشامي المعاصر إلياس الأيوبي في كتابه العظيم (تاريخ مصر في عهد الخديوي اسماعيل ) اخترت ان اوجزها لكم في (تصرُف)في السطور التالية ..
(( كان اسماعيل يعلم ان مرض عمه سعيد باشا عضالا وقد فشل في مداواته اطباء اوروبا وأن الموت بات لينتظره فساورته الانفعالات الطبيعية التي تساور كل إنسان في مركزه لينتظر وهو في القاهرة أن ترد عليه الأنباء المُبشرة من الاسكندرية بارتقائه عرش مصر وكانت العادة أن ينعم بلقب (بك) على أول من يحمل إلى الوالي الجديد خبر العرش المصري إليه وأن ينعم عليه بالباشوية إذا كان بيكًا. فلم يغادر (بسي بك) مدير المخابرات التلغرافية مكانه لثمان وأربعين ساعة؛ لكي يكون أول المبشرين، فيصبح باشا؛ ولكن النعاس غلبه في نهاية الأمر فاستدعى أحد صغار موظفي مصلحته وأمره بالقيام بجانب جهاز التلغراف ليذهب لكي ينام قليلًا كما امره بالإسراع إلى إيقاظه حال ورود إشارة برقية من الإسكندرية تنبئ بانتقال محمد سعيد باشا إلى دار البقاء ووعده بجائزة قدرها خمسمائة فرنك مقابل ذلك ثم ذهب إلى مخدعه ونام على سريره وهو بزي العمل.))
ولم يكن الموظف الصغير الذي أنابه عنه يجهل عادة الإنعام بسراي الحكم فلما انتصف الليل بين اليوم السابع عشر واليوم الثامن عشر من شهر يناير سنة ١٨٦٣وردت من الإسكندرية الإشارة البرقية المنتظرة بفارغ الصبر، فتلقاها ذلك الموظف الصغير وأسرع بها إلى سراي الأمير (إسماعيل) وطلب المثول بين يديه.
وكان (إسماعيل) لا يزال جالسًا وساهراً في قاعة استقباله يحيط به رجاله وتُسامره هواجسه فلما جاء ذلك الموظف وأحدقت به أنظارالجميع. وجثا الرجل أمامه وسلمه إشارة البرقية الواردة، فقرأها (إسماعيل)، ثم نهض والفرح منتشر على محياه فوقعت الإشارة من يده وشكرلله بصوت عال ثم ترحم على عمه ترحمًا طويلًا. وشاركه رجاله المحيطون به فرحته بالدعاء ثم نظر إسماعيل الي الرجل الذي كان قد التقط إشارة البرقية حالما وقعت من يد مولاه، ووضعها في جيبه وتبسم وقال له :
« انهض يا بك » وبعد أن حباه بنفحة من الذهب أذن له بالانصراف.فعاد الموظف مسرعًا إلى مصلحة التلغراف لرغبته في الحصول على جائزة الخمسمائة فرنك التي وعده بها بيسي بك زيادة على الذهب الذي أصابه ودخل بتلك الإشارة على رئيسه، وأيقظه وسلمها إليه.
فتناولها بسي بك وقرأها، ثم فتح كيسه بسرعة وأعطى الرجل المبلغ الذي وعده به ثم أسرع بالرسالة إلى سراي الأمير (إسماعيل) وهو يرى أنه قد أصبح باشا .فلما دخل على الأميروعرض عليه الإشارة قابله (إسماعيل) بفتور وقال له لقد أصبح هذا خبرًا قديمًا لدينا فأدرك الرجل أن موظفه خانه وسبقه إلى استجلاء أنوار الشمس المشرقة ونعمها ثم ضحك عليه واستخلص منه خمسمائة فرنك فاستشاط غضبًا ونقمة وعاد إلى مصلحته، واستدعى ذلك الموظف الخبيث ويدأ يهينه بصوت عال لكن الموظف اوقفه عند حده، قائلًا.« صه! فإني أصبحت بيكًا مثلك .. وهكذا أضاع بسي بك ثمرة سهره ثمانيٍّا وأربعين ساعة، بعدم تجلده على الاستمرار ساهرًا..وعلنا نستلهم العبر من هذه الحكاية فبريق العرش والسلطة لا تعادله فرحة حتى لو جاءت برائحة الموت !
وأعود معكم الي اسماعيل حفيد محمد علي وابن ابراهيم باشا فقد روى عنه معاصره الياس الايوبي في كتابه تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا من سنة ١٨٦٣م إلى ١٨٧٩م»، وطبع بدار الكتب المصرية سنة ١٩٣٢م في مجلدين كبيرين .
وقد حاول اسماعيل صبغ مصر بطابع المدنية الحديثة، كما استطاع من خلال سياسته أن يقيم جسوراً فكرية بين المصريين والغربيين وحاول ارجاع امبراطورية جده ودخل في حروب بافريقيا ومع الحبشة ورغم فشله في توسعاته الا انها كانت عاملا حقيقيا في اسباب احتلال انجلترا لمصر ومن ثم سيطرتها على جنوب الوادي وشرق افريقيا ناهيك عن وجود قناة السويس كسبب رئيس لأهميتها بالنسبة لانجلترا.
كما جعل اسماعيل من مصر إمبراطوريةً عظمى تجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين عظمة الشرقِ في مجده وبين الفكر الغربي القائم على دعائم النهضة الحديثة بينما رآه اخرون سببا في تفاقم الأزمة المالية جراء كثرة الديون الخارجية و بذخه وإسرافه ، وعدم تقديره للعواقب وضعفه أمام جمال النساء وهو امر طبيعي كان سائدا عند الملوك و سلاطين بني عثمان أيضا وقد أدت به هذه العوامل مجتمعة إلي التبذير في أموال الخزانة العامة ، فلم تكفه الملايين التي كان يجبيها من الضرائب ، بل انصرف إلي البيوت المالية والمرابين الأجانب يستدين منهم القروض الجسيمة ، ولا يخفى أن هذه القروض هي الوسيلة التي تذرعت بها الدول الاجنبية للتدخل في شؤون مصر ووضع الرقابة المالية عليها حتى باع حصة مصر في اسهم قناة السويس التي افتتحها في احتفال اسطوري انفق عليه الملايين فأوشكت البلاد ان تعلن افلاسها ... فانتهي امره بعزله بعدما استفاق متاخرا وانحاز الي الحركة الوطنية فعزله السلطان بإيعاز من الدول الاوروبية وسافر الي نابولي بايطاليا في مشهد حزين قبل ان يعود الي منفاه بالاستانة ليموت فيها ثم يعود جثمانه ليدفن في مصر ..
ومع ذلك تظل الايادي البيضاء والمشروعات الكبرى التي اقامها اسماعيل في مصر ومازالت شامخة تشهد على عظمة شخصه فقد قاوم المطامع الاستعمارية التي تجلت من انجلترة وفرنسا ، ولو أنه آثر الرضوخ والاستسلام لبقي على عرشه يتمتع بهذا الملك العريض ،كما وانه أصر على أن تكون الوزارة خالصة للمصريين ، لكنه استجاب إلي مطالب الأحرار وعهد إلي شريف باشا بتأليف وزارة وطنية خالية من العنصر الأوروبي ، وأقر مبدأ مسئولية الوزارة أمام مجلس شورى النواب...اذن لم يكن اسماعيل كما تصوره الدراما المصريه باحثا عن الملذات والحريم بل كان محبا للقاهرة لكنه مسرفا عليها بشغف وكان إسماعيل أثناء دراسته بباريس ميالاً إلي علوم الهندسة، ومن هنا اتجهت ميوله إلي تنظيم المدن وتخطيطها وتجميلها، وقد وجه جل عنايته في هذا الصدد إلي القاهرة والإسكندرية. فجعل القاهرة ثاني عواصم العالم التي تضاء ليلا بعد باريس بغاز الاستصباح واسس اول مدرسة لتعليم البنات عام 1873 وهي المدرسة السنية بالعباسية وغير ذلك من المشروعات الكبرى قام بها قبل رحيله عن مصر.
ومن مشروعاته التي تظل شاهدة عليه وكما دونها عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن (عصر إسماعيل) و جمال حمدان في كتابه (عبقرية مصر) وكذلك أحمد الحتة ( تاريخ مصر الاقتصادي) اذكر لكم منها وفيما يخص مدينة القاهرة فقط ( تخطيط الشوارع والميادين الجديدة، كشارع الفجالة الجديد، وشارع كلوت بك، وشارع محمد علي، وشارع عبد العزيز، وشارع عابدين. وانشأ أحياء بأكملها، كحي الإسماعيلية، والتوفيقية، وعابدين، وميدان الأوبرا، ونظم ارض الجزيرة، والجيزة بعد أن أنشأ بها القصور العظيمة، وأنشأ حديقة النبات بالجيزة. وكان لفتح الشوارع والميادين والأحياء الجديدة فضل كبير في توسيع المدينة وتجميلها، وتوفير الهواء النقي وتدبير الوسائل الصحية للسكان، وارتفاع قيمة الأراضي والمباني وازدهار العمران. وبنى المسرح الكوميدي ومسرح الأوبرا، ونسق حديقة الأزبكية تنسيقاً جميلاً. وانشأ كوبري قصر النيل البديع ليصل الجزيرة بمصر وأمر ببناء حمامات حلوان لما لها من مزايا مياهها المعدنية الكبريتية، وشيد بها قصراً فخماً وهو المعروف بقصر الوالدة على النيل وبلغ عدد سكان العاصمة في ذلك العهد 350,000 نسمة. ناهيك عن القصور العديدة التي اعتبرت من مظاهر اسرافه فبنى الخديوي إسماعيل نحو ثلاثين قصراً من القصور الفخمة، وكان دائم الرغبة في التغيير والتبديل، وكانت بعض القصور التي يبنيها لا يكاد يتم بناؤها وتأثيثها حتى يعرض عنها ويهبها لأحد أنجاله أو حاشيته.
وذكر العلامة على باشا مبارك عن قصري الجزيرة والجيزة : "أنهما من أعظم المباني الفخمة التي لم يُبن مثلها، وتحتاج لوصف ما اشتملت عليه من المحلات والزينة والزخرفة والمفروشات، وما في بساتينها من الأشجار والأزهار والرياحين والأنهار والبرك والقناطر والجبلايات إلي مجلد كبير "، وذكر عن أرض سراي الجزيرة أن مساحتها ستون فداناً، وأن ما صرف عليها على كثرته قليل بالنسبة لما صرف على سراي الجيزة، وكانت هذه السراي في منشئها قصراً صغيراً وحماماً بناهما سعيد باشا، ثم اشتراها إسماعيل من ابنه طوسون مع ما يتبعها من الأرض ومساحتها ثلاثون فداناً، ثم هدم هذا القصر وبناه من جديد... علي اية حال كان عزل اسماعيل بسبب انحيازه للحركة الوطنية مما اغضب الدول الاوروبية الطامعة في مصر خاصة انجلترا فخلفه ابنه توفيق الذي وعي الدرس جيدا وارتمي في احضان الانجليز ....والي اللقاء في الحلقة السابعة حلقة كل الجدل بعنوان هل أحب المصريون الملك فاروق ؟ المؤرخ والشاعر طارق فريـد..
المصادر والمراجع:
1- إلياس الأيوبي - تاريخ مصر في عهد اسماعيل- طبعة دار الكتب 1932
2- عبد الرحمن الرافعي - عصر اسماعيل
3- جمال حمدان - عبقرية مصر
4- احمد الحتة - تاريخ مصر الاقتصادي
5- مقالات ودراسات علي باشا مبارك بالصحف المصرية

0 comments:
إرسال تعليق