بشهادة التاريخ محمد علي باشا حاكم مستبد لكنه أسس مصر الحديثة ...
كان لمحمد علي اتجاه مؤيد من الكتاب والمؤرخين يُعظم نهضته ويبارك خطواته ويمثل هذا الاتجاه القوي مجموعة من الشخصيات والكتاب اذكر لكم منهم جمال الدين الأفغاني ومصطفي كامل وجورجي زيدان ، وشكيب أرسلان وأحمد فؤاد الأهواني وعباس العقاد فهؤلاء اعتبروه نابغة من نوابغ الدهر والبس مصر ثوب العزة والمجد وانه من العباقرة في صناعة الحكم وسياسة الشعوب ونجح في تأسيس النهضة الشرقية الحديثة ليس بوادي النيل فقط، بل في البلاد المجاورة أيضاً غير ان العقاد مال الي الاعتراف باستبداد محمد علي لكنه برر له , على ان أصحاب هذا الاتجاه لم يروا في تلك الإنجازات أسباب عدم استمرارها فقد سقطت الدولة الكبرى سريعا في معاهدة لندن عام 1840 بعد تحالف القوى الاوروبية مع الدولة العثمانية ضد محمد علي ..
اما الاتجاه الاخر فعبر عنه رفضه لسياسة محمد علي ومنهجه فركزوا علي سلبياته اكثر من ايجابياته ومن هؤلاء الإمام محمد عبده وإسماعيل مظهر ، وحسين فوزى ، ورشيد رضا ومن الباحثين المعاصرين : محمد عمارة ، وعبد المحسن حمادة ، ونصر عارف . انتقد هؤلاء منهج واستبداد وسلوك محمد علي في التعامل مع المخالفين له في الرأي والفكر ، فكان يستعين بالجيش للتخلص من خصومه ، وبمن يستميله من الأحزاب لسحق حزب آخر ثم يستدير على من كان معه فيتخلص منه كما اعتبروا إصلاحات محمد علي في مجملها موجهة الي الجيش والأغراض العسكرية ولم تكن لصالح الأمة المصرية وانتقدوه لاهماله الناحية الدينية فأهمل بناء الأخلاق والآداب على الاسس الدينية فاعتبروا إصلاحه منقوصاً وانه السبب في ضعف فكرة القومية العربية وتأخر ظهورها ، ويجمعون على أن نهضة محمد على أسهمت في بناء الوعي القومي المصري على حساب الوعي القومي العربي ....
علي انه ومما سبق ارى من وجهة نظري المتواضعه ان هكذا تدوين لهو شئ حميد فلا مضار بين اختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا البعيدة عن التخوين والخوض والطعن في كرامة الاشخاص سواء بالخيانة او السب والشتم ولن اخوض كثيرا في عهد محمد علي وشخصيته ويكفي انه استحق لقب مؤسس مصر وباني نهضتها الحديثة كان واليا على مصر والشام والحجاز والمورة وطاشوز وكريت استطاع أن ينهض بمصر عسكريًا وتعليميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا، مما جعل من مصر دولة ذات ثقل في تلك الفترة إلا أن حالتها تلك لم تستمر بسبب تحالف اوروبا ضده وضعف خلفاؤه الي أن سقطت دولتهم في 18 يونيو سنة 1953 م بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في مصر وحتى وان كان مُستبدا فاي حاكم لك يامصر لم يكن مستبداً فالمصريون طوال عهدهم وتاريخهم بعد الفراعنة لم يحكمهم مصري واحد لكن محمد علي تمصر وعاش وشعر بحياة المصريين وخالط زعمائهم قبل ان يتخلص منهم .. وظلت اسرة محمد علي ممثلة في اولاده واحفاده تحكم البلاد حتى قامت ثورة يوليو 1952 ...
كما ويضاف لمحمد علي ذكاءه في استمالة المصريين ليحببهم في الجندية فكانوا في البداية يهربون ويقطعون اصابعهم حتى لا يخضعون للتجنيد على عكس مايشاع من اقبالهم على حياة الجندية وكما يقول استاذي الدكتور احمد زكريا استاذ التاريخ بكلية الاداب بجامعة عين شمس ان محمد علي هيأ للجند حياة كريمة ووفر لهم احتياجتهم من مأكل جيد وملبس ومرتبات حيث كانوا يأكلون لحم الفتة مرتين في الاسبوع بينما كان الكثيرون منهم لا يتذوقه الا كل شهر مرة على الاكثر وبهذا كانت الجندية للمصريين في عهد محمد علي مبعثاً على المباهاة والآبهة ورغد العيش فاقبلوا بالفعل وبنفوس راضية وقانعة على الحياة الجديدة وهذا يصور لك حقيقة الشعوب وليس المصريين فقط ( إملأ بطون الشعب تأمن شره وتضمن خضوعه) وليس بتجويعه كما هو الحال في عالمنا المعاصر ..
ويظل الجزء الاهم في سياسة محمد علي الاقتصادية يعبر عنه قوله وفعله كونه اراد تكوين دولة قوية ترتكز على الصادرات وليس الوارادات فكانت سياسة الاحتكار التي عارضها الكثيرين العمود الفقري للزراعة والصناعة في مصر وبالفعل نجح في ذلك وفتح اسواقا خارجية لمصر وازدهرت الزراعة وشهدت تصدير القطن المصري العالمي وكذلك الصناعة ايضا حتى انه جمع الصبية من الحارات والشوراع والحقهم بالورش الصناعية في مدارسه التي جلب لها الخبراء خاصة من فرنسا وصنع السفن والسلاح والذخيرة والغزل والنسيج وغيرها الكثير من الصناعات الحديثة على مصر فانتقل بها الي مصاف الدول المتقدمة التي باتت الدول الكبري تعمل لها الف حساب فاتفقت جميعها على اقصاءه واسقاط دولته الكبرى وفرضت عليه معاهدة بلطة ليمان 1838 لاسقاط نظام الاحتكار في مصر وتقويض الدولة المصرية الكبرى ثم أعقبتها بمعاهدة لندن 1840 لتقويض نفوذه وحدود الدولة المصرية ....
والحق ان جمال عبد الناصر حاول ان ينهج نفس النهج فكانت هناك العديد من المصانع في عهده وظهرت صناعات مصرية جادة بعد ثورة 23 يوليو وأنشأ المدارس الزراعية والصناعية ووازدهرت في عهده مدارس المعلمين والمعلمات التي تمتعت بسمعة جيدة كما أمم العديد من الشركات ومصادرة أراضي واموال الأغنياء لحساب الفلاحين والفقراء وهي ما تُعرف بالتجربة الاشتراكية القريبة من نظام الاحتكار الذي طبقه محمد علي وامتلك القطاع العام النسبة الأكبر من مؤسسات الدولة لكن مشروع عبد الناصر ايضا لم يستمر لانشغال البلاد في قضايا القومية العربية والحروب التي خاضتها مصر من اجل القضية الفلسطينية فكلفت الدولة المصرية اموالا طائلة وجعلتها تعود الي مسالة الدين الخارجي وارتفاع التضخم والتراجع الي الوراء .. والي اللقاء مع شخصية اخري في الحلقة السادسة

0 comments:
إرسال تعليق