كنّا أربعة هاربين من سخافة ما يجري، أكبرنا، مؤمن حدّ التطرّف ينبش في كتب الأولين ليل نهار يبحث في تراث السلف عن نقطة خلاف بين المذاهب . الثاني مدمن على القراءة والتدخين وسماع اخبار الثورات ،أسميناه المدخنة، الثالث نواسي يحب الخمرة والنساء والنكات البذيئة جدا يقول تهيم فيها بعض النساء والعواهر خصوصا ، أمّا أنا فكنت من اصحاب الرقيم الذين اندثروا. ولما كنا مسيرين في الحياة تقودنا الصدف والخرافات والتقاليد والسلطة والعوز، ولكي لا نموت كمدا أو بتفجير في شارع او مرأب ، حشرنا أنفسنا جميعا في غرفة فندق قرب قن حمام لصاحب الفندق فوق السطح .أعجبنا بالرجل ، كان وجوديا معجبا بسارتر وشعر حسين مردان لا يؤمن باليوم الآخر. رقيب الإنسان ضميره دائما يقول . كان الفندق يشبه خاناً عثمانياً قديما وكانت الغرقة حقيرة زهيدة الإيجار. في الصيف القائظ ،حينما تصل الحرارة الى الستين، نتعرى جميعا ونجعل من قمصاننا مرواح للتهوية ولأن المسؤولين منعوا دخول القرن الحادي والعشرين لأنه غير مرغوب به في البلاد وحرموا مظاهر الحضارة كالكهرباء والسينما مثلا ولأن بقاءنا نحن الخليط غير المتجانس ، كان اضطراريا، نظمنا أنفسنا بعقد تعايش سلمي وقعناه بفتل شواربنا . برماد أعقاب سجاير المدخنة، قسمنا الغرفة اربعة اقسام .غض طرفك عن عاداتي ، اغض الطرف عن عاداتك والف طز بما يجري .حصنّا مدخل الغرفة بسجادة صنعناها من الجنفاص وقناني العرق والبيرة . على الباب كتب المؤمن تعويذة وعلّق مسبحة ورجاء الى الله أن يهدينا . ولأني من أصحاب الرقيم كنت صلة المجموعة بالعالم والسوق ومآسي البلاد وهجرة العقول والشباب وكثرة الأرامل والأيتام والعوانس وزحمة المقابر . كنت لا أنقل سباب الناس للحكومة وما يدور من قصص عن انفلات الأمن وفضائح المسؤولين ولبس الشوارع للسواد في الأعياد أو ازدياد حالات الجنون والانتحار والطلاق ، خوفا من تعكير مزاجهم وارتفاع ضغط دودة الكتب . كنت لا اذكر مآسي الناس للرفاق .في درجة ستين .يسربلنا العرق .يقف المؤمن يصلي بصوت عال كأنه يخاطب أصماّ ، يدعو برفع الغمة عن الأمة .يفتح الخمار قنينة عرق جديدة ويشعل المدخن سيجارتين معا .اما أنا فأروح افكر ببائعة حليب الصباح مكتنزة العجيزة والغرفة المقفلة كل النهار وكيف حملت الريح ذات يوم حمالة نهدين لامرأة مجهولة الى باب غرفتنا؟ تحينت الفرص وتلصصت من ثقب مفتاح الغرفة المقابلة وفاجأتني الغرفة المؤثثة حيث ينطلق صوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد .كانت هناك بائعة حليب الصباح بثوب شفاف .صار التلصص عادة بعد منتصف الليل حتى أطبق عليّ صاحب الفندق وكاد يخنقني لولا تدخل بائعة الحليب ذات العجيزة الكبيرة التي كانت تقف خلفه على رؤوس أصابعها ماسكة بيدها حذاءها وكيسا فيه متاع السهرة .تركني الرجل ثخين الرقبة قائلا ان اخبرت احدا اطردكم انتم الأربعة الحثالة وأبلغ عنكم .لم أخبر أحدا بالسر وفي الصباح شكرت بائعة الحليب على صنيعها ضحكت واعتبرت قنينة الحليب هدية وعربون صداقة .ظهر ذلك اليوم القائظ في درجة ستين تحولت غرفتنا الى ما يشبه التنور فتعرينا جميعا .فجأة اهتزت الغرفة كما لو أنها بفعل زلزال . خرجنا شبه عراة الى الشارع .كان الناس مرعوبين يختلط صياحهم بعوي صفارات الاسعاف المسرعة لإسعاف المصابين وضحايا تفجير سيارة مفخخة جديد في الكرادة ، لا شيء جديد في الكرادة مجرد انفجار مفخخة كالعادة قال عامل نظافة كان يحمل بقايا بشرا مزقته الشظايا ....
أربعة مخلوقات في غرفة ...قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير :عيسى عبد الملك
كنّا أربعة هاربين من سخافة ما يجري، أكبرنا، مؤمن حدّ التطرّف ينبش في كتب الأولين ليل نهار يبحث في تراث السلف عن نقطة خلاف بين المذاهب . الثاني مدمن على القراءة والتدخين وسماع اخبار الثورات ،أسميناه المدخنة، الثالث نواسي يحب الخمرة والنساء والنكات البذيئة جدا يقول تهيم فيها بعض النساء والعواهر خصوصا ، أمّا أنا فكنت من اصحاب الرقيم الذين اندثروا. ولما كنا مسيرين في الحياة تقودنا الصدف والخرافات والتقاليد والسلطة والعوز، ولكي لا نموت كمدا أو بتفجير في شارع او مرأب ، حشرنا أنفسنا جميعا في غرفة فندق قرب قن حمام لصاحب الفندق فوق السطح .أعجبنا بالرجل ، كان وجوديا معجبا بسارتر وشعر حسين مردان لا يؤمن باليوم الآخر. رقيب الإنسان ضميره دائما يقول . كان الفندق يشبه خاناً عثمانياً قديما وكانت الغرقة حقيرة زهيدة الإيجار. في الصيف القائظ ،حينما تصل الحرارة الى الستين، نتعرى جميعا ونجعل من قمصاننا مرواح للتهوية ولأن المسؤولين منعوا دخول القرن الحادي والعشرين لأنه غير مرغوب به في البلاد وحرموا مظاهر الحضارة كالكهرباء والسينما مثلا ولأن بقاءنا نحن الخليط غير المتجانس ، كان اضطراريا، نظمنا أنفسنا بعقد تعايش سلمي وقعناه بفتل شواربنا . برماد أعقاب سجاير المدخنة، قسمنا الغرفة اربعة اقسام .غض طرفك عن عاداتي ، اغض الطرف عن عاداتك والف طز بما يجري .حصنّا مدخل الغرفة بسجادة صنعناها من الجنفاص وقناني العرق والبيرة . على الباب كتب المؤمن تعويذة وعلّق مسبحة ورجاء الى الله أن يهدينا . ولأني من أصحاب الرقيم كنت صلة المجموعة بالعالم والسوق ومآسي البلاد وهجرة العقول والشباب وكثرة الأرامل والأيتام والعوانس وزحمة المقابر . كنت لا أنقل سباب الناس للحكومة وما يدور من قصص عن انفلات الأمن وفضائح المسؤولين ولبس الشوارع للسواد في الأعياد أو ازدياد حالات الجنون والانتحار والطلاق ، خوفا من تعكير مزاجهم وارتفاع ضغط دودة الكتب . كنت لا اذكر مآسي الناس للرفاق .في درجة ستين .يسربلنا العرق .يقف المؤمن يصلي بصوت عال كأنه يخاطب أصماّ ، يدعو برفع الغمة عن الأمة .يفتح الخمار قنينة عرق جديدة ويشعل المدخن سيجارتين معا .اما أنا فأروح افكر ببائعة حليب الصباح مكتنزة العجيزة والغرفة المقفلة كل النهار وكيف حملت الريح ذات يوم حمالة نهدين لامرأة مجهولة الى باب غرفتنا؟ تحينت الفرص وتلصصت من ثقب مفتاح الغرفة المقابلة وفاجأتني الغرفة المؤثثة حيث ينطلق صوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد .كانت هناك بائعة حليب الصباح بثوب شفاف .صار التلصص عادة بعد منتصف الليل حتى أطبق عليّ صاحب الفندق وكاد يخنقني لولا تدخل بائعة الحليب ذات العجيزة الكبيرة التي كانت تقف خلفه على رؤوس أصابعها ماسكة بيدها حذاءها وكيسا فيه متاع السهرة .تركني الرجل ثخين الرقبة قائلا ان اخبرت احدا اطردكم انتم الأربعة الحثالة وأبلغ عنكم .لم أخبر أحدا بالسر وفي الصباح شكرت بائعة الحليب على صنيعها ضحكت واعتبرت قنينة الحليب هدية وعربون صداقة .ظهر ذلك اليوم القائظ في درجة ستين تحولت غرفتنا الى ما يشبه التنور فتعرينا جميعا .فجأة اهتزت الغرفة كما لو أنها بفعل زلزال . خرجنا شبه عراة الى الشارع .كان الناس مرعوبين يختلط صياحهم بعوي صفارات الاسعاف المسرعة لإسعاف المصابين وضحايا تفجير سيارة مفخخة جديد في الكرادة ، لا شيء جديد في الكرادة مجرد انفجار مفخخة كالعادة قال عامل نظافة كان يحمل بقايا بشرا مزقته الشظايا ....

0 comments:
إرسال تعليق