• اخر الاخبار

    الأحد، 5 أغسطس 2018

    حسن بخيت يكتب عن : الهرم المقلوب

     



     

    نعيش فى زمن الهرم المقلوب ، فكل شىء فى حياتنا اختلفت موازينه ، وأصبح ما تعلمناه من قيم وأخلاق وأعراف شيئا ، وما نعيشه ونلتمسه شيئا أخر ، فقد كنا فى الماضى نؤمن بأن العلماء هم فى أعلى الهرم الإجتماعى ، وكنا أذا انشغل أحدنا بدراسة هواية كالموسيقى ، او الرسم أو الرياضة ،  يتهمنا أهالينا بأننا سرنا فى طريق مجهول .

    لكن الان ونحن نعيش زمن الهرم المقلوب ، فعندما يتجمع الكثير من رموز المجتمع والصفوة من البشر فى فرح ، لإبن  رجل أعمال أو سياسي ، أو ابنة لاعب كرة، أو راقصة مشهورة ، وترى ما أعد لهذا الحفل من ملابس وماكل ومشرب وحلوى ، ناهيك عن السيارات الفارهة لأصحاب الفن والرياضة  والاعلام ورجال الأعمال والتى تتجاوز الملايين ، أما عن مائدة الطعام فحدث ولا حرج ، فلم نراها الا فى أفلام الخيال العلمى .

    عندما تخلو الساحة الإعلامية من المذيعات القديرات بتميزهن في سعة الإطلاع والثقافة ورقة الأسلوب وجمال نطق اللغة العربية وبراعة الحوار ، لنصبح ونمسي على أخبار مذيعات تافهات وهن يتداون في أبواب الحوادث بالصحف ، وصفحات " الترافيك " ، وطرد الضيوف ، وتدبير المؤامرات وقص الشعر في الأستوديو ، ومناظر غير مألوفة للعين البشرية وأسماء غريبة كالهبلة والعبيطة وأم أربع وأربعين لنعيش أسوء فترة إعلامية في زمن الهرم المقلوب .

    عندما يخرج علينا ضيوف عبر برامج << التوك شو >> ويتكلم فى السياسة  شخص لا يعلم شيئا عن السياسة ،وشهاداته ومؤهلاته لا تحمل اى نوع من الدراسة السياسية ، ويتحدث  عن  الدين ( أبوجهل ) والذي لا يفقه شيئا في الدين ،فهو ليس بعالم ولا فقيه، وتجد من  يتكلم فى مستقبل البلاد والعباد اعلامى أو ممثلة ، وربما تكون راقصة في بعض الأحيان ، ونجد ضيوف لا نعرف عنها شيئا تظهر وتختفى فى برامج التوك شو ، فهذا خبير استراتيجى واخر اقتصادى ، وهذا محلل سياسى ، وهذا داعية.

    والمصيبة : أن العامة يصدقون مثل هؤلاء لدرجة انهم سيطروا واحتلوا عقولهم ، واعتبروهم النخبة والصفوة ، فى الوقت الذى إختفى فيه العلماء والعلم .

    زمن لا يحتكم كثير من أفراده إلى مفردة الأخلاقيات التعيسة التي تبدو كالمسمار الذي يحول دون الانطلاق.، تلك الأخلاقيات  المفردة والتي تبدو مهترئة، وباردة، ورمزية، ومقياس بدائي للكثير من الأمور.

    السؤال هنا

    ما معنى ان تكون ملتزماً أخلاقياً أو مهنياً ومن حولك يصعدون كالصواريخ دون وجه حق؟

    ما معنى أن يستيقظ أي مجتمع بعد شهور أو سنوات معدودة على آلاف الفاشلين، وهم يتربعون على قمة الهرم، وغيرهم من الناجحين الحقيقيين لايزالون أسفل الهرم يتجرعون الإقامة الاختيارية التي تحولت إلى إقامة جبرية؟.

    في زمن الهرم المقلوب ينظر البعض للزمن  بأنه زمن الفهلوة، والشطارة، والنصب علي الأخرين  والثلاث ورقات ، والخطف ثم الجري ......، فلا ينجح غير الفهلوي، والشاطر، والنصاب وعادة الشاطر ليس المتفوق، أو البارع في علمه وعمله، يعبر فيه إلى عالم النجاح الهوامير الفاشلة  مهما كانت إمكاناتهم التعليمية ضئيلة ومهما كانت قدراتهم الفكرية محدودة.والشطارة هنا تقوم على استغفال الآخر ، والذي ظل وسيظل يحمل في داخله إرثاً من المبادئ، والقيم، والثقة بالآخر، وعدم تخوينهم ، والاتكاء على قيم مجتمعية، وتقاليد وعادات، بدأت تغيب بملامحها.

    زمن الهرم المقلوب،والذى يكثر فيه المحتالون والنصابون والجهلة ، الذين يتفوقون على من هم أكثر ذكاءً أو موهبة وقدرات في علمهم ، وأصبح فيه النصب حرفة ومهارة وفن. من خلال التصديق المجتمعي لهؤلاء على مبدأ << اللي تغلب به ألعب به>> ، ومن يحاول فيه التوقف السريع والقراءة اللاهثة لكل ما يجري حوله يصاب بالصدمة ويلتهمه المرار، ويتعمق في داخله الوجع.

    السؤال هنا ! كيف يواجه أولادنا هذا الهرم المقلوب نحن نلقنهم كل معانى القيم والأخلاق والعلم ؟!

    كان قديما : عندما يتقدم أهل خاطب لأهل مخطوبه ، فإن أول ما يبحث عنه هو أخلاقه وعلمه . ولم يكونوا يسألون عما يمتلكه من مال وعقارات وسيارات ، لأن ما يهمهم ويشغل بالهم ان تكون بنتهم مع رجل خلوق بكل انواع الكلمة ، على درجة من العلم والصلاح والرجولة ليضمنوا ستر ابنتهم ..... لكن اليوم وفى زمن الهرم المقلوب إختلفت الصورة تماما ، فأصبحت الأسئلة والبحث تركز على إمتلاك العريس للشقق والسيارة والحسابات البنكية ، فكانت النتيجة كثرة الإختلافات والطلاق ، وضياع الأبناء وتفكك الأسر..

    لكن لاعجب فى ذلك ونحن نعيش زمن ( الطشت قالى . يا بت يللى قومى استحمى ) ( وتعالى نطلع فوق عالروف ) ( وبحبك يا حمار ) ( احب أشوفك وانت موطى ) ألخ .

    لا يمكن لمثل هذه الكلمات والألحان الهابطة الرخيصة الماجنة أن تذاع وتنشر إلا فى زمن الهرم المقلوب .

    وفى النهاية : يتحدث الجميع ويسألونك عن أسباب تأخر العباد والبلاد  فى كل المجالات العلمية والإقتصادية وغيرها .

    هل تأخرنا نزل به وحى من السماء وأصبح مكتوب علينا وواقع لا فرار منه ؟!  أم نحن صنعناه بأيدينا !! وللحديث بقيةوب
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حسن بخيت يكتب عن : الهرم المقلوب Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top