• اخر الاخبار

    السبت، 31 أكتوبر 2020

    أ.د. أحلام الحسن رئيس القسم الثقافي تواصل كتابة حلقاتها عن :كيف أعدّ نفسي لكتابة الشعر..الحلقة /2

     




    "مقومات العمل اﻷدبي المشترك "

    من المعروف أنّ للأعمال اﻷدبية بشتى أصنافها مقوماتٌ وأساسياتٌ لابدّ منها، ويفقد العمل اﻷدبي جماليات جودته حين الإخلال بمقوماته اﻷدبية أو بإحدى مقوماته، ولا فرق بين العمل الأدبي المفرد أو الثنائي فكلاهما يحتاج لتلك المقومات الأدبية فهي المنطلق الأساسي لعملٍ أدبيّ ٍ يتّسم بالجودة.

    وللعمل الأدبي الثنائي المشترك شروطٌ ومقومات أهمها :

    1 - التكافئ الأدبي بين الكاتبين، وانعدام التكافئ هذا سيهدم العمل الأدبي هدمًا يصعب ويعرقل إعادة بنائه من جديد.

    2- يجب أن يحرص الكاتب حين رغبته بعملٍ أدبيّ ٍ مشتركٍ مع أديبٍ آخرٍ أن يكون الطرف الثاني بمثل مستوى الأول أدبيًا، ونحويًا وفكريًا ، وتشابهًا في الاسلوب لكي لا يشعر القارئ بتباعد الاسلوبين وباختلافهما عن بعضهما وبتناقض الرؤى ،وذلك يستدعي حرص الكاتبين على التقارب السّردي لهما حرصًا شديدًا تنعدم فيه الفجوات.

    3 - من أهم شروط العمل الأدبي السّردي أو الشعري المشترك التوافق الفكري بين الكاتبين في النّصّ المطلوب كتابته.

    4 - تنافر الأفكار، واختلاف الطباع، وتباعد الرؤى من الأسباب الرئيسية لفشل السّرد الأدبي المشترك كالقصة بأنواعها والشعر والرواية والمقال، فهذه الأصناف الأدبية كالرواية والقصة رغم سهولة كتابتها مقارنة بالشعر الموزون إلا من الصعوبة نجاحها إذا ما اختلفت الأفكار وتنافرت الطباع بين الكاتبين، فهناك الكاتب التي تتسم كتاباته بالدسم العاطفي والرقة، وهناك من تتّسم كتاباته بالجفاف العاطفي، وهناك من تقلب الفكاهة والطرفة على كتاباته،
    وتلك أهمّ الأمثلة للإختلاف الفكري والطباعي.

    5 - من السهل أن تنقسم كتابة القصيدة الغنائية الموحدة الروئ بأصنافها بين كاتبين، وقد يزيد من احتمالية نجاحها بصورةٍ أكبر.

    6 - الإشتراك بكتابة قصيدةٍ عمودية موزونة فصحى بين شاعرين لابدّ من توفر التكافئ المعرفي في الكتابة العروضية، والنحو والصرف، مع اتقان البحور الخليلية والأوزان وزحافاتها، وخاصة البحر المتفق على كتابة القصيدة على وزنه، ومن المستحيل كتابتها مع عدم التكافئ بمقومات القصيدة العمودية الموزونة.

    7- مرونة النّصّ الأدبي وهو من ضروريات التّجديد الأدبي ومن أهميات المرونة في النّص عدم تعقيد المفردات وإن دخلت عوامل البلاغة فيها، فالأديب المرن في كتاباته هو الذي يجعل نصّه قابلًا للتأويل عند الجميع، وله القدرة على إيصال حرفه لكافة أطياف المجتمع المتعلم، ودون التفريط والإفراط، لينتج من وراء ذلك نصًا أدبيًّا معاصرًا ومحتفظًا بكافة مقوماته الأدبية العريقة.

    8 - الإيجاز ويشير هذا المصطلح إلى مستوى الكثافة في استخدام اللفظ سياقًا وتركيبًا ، وهنا يتطلب من الكاتب سلاسة البيان وقوة الحرف ، وجاذبية الكلمة المتدفقة التي تخرج منها الصّورة الفكرية إلى حيّز الوجود ولا يتأتى ذلك إلاّ بالقراءة لأدباء لهم أقلامهم الجيدة والإطلاع المستمر، والحذر الحذر من قراءة النصوص الهزيلة فإنها معدية.

    9- التوهج وتعني الإشراق، بحيث يكون اللفظ في كافة استخداماته متألقًا في سياقه، كأنهُ مصباحٌ وضّاء، إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض البريق في الدلالة العامة ويمتلك القدرة على شدّ ذهن المتلقي بجمال تراكيبه اللغوية.

    10- مرونة الأجناس الأدبية الأخرى من أنواع القصص وأنواع الشعر العمودي والتفعيلة، والخواطر والروايات والخطابة والمقالة والنثر وغيرها ،وكلها أجناسٌ تحتاج لأقلامٍ متميّزةٍ ليتحقق على إثرها ماتصبو إليه اللغة العربية والأدب العربي من التقدم والرّقي، كما تحتاج لمرونةٍ تخوض من خلالها في بلورة قضايا الإنسان في قالبٍ أدبيّ يتسم بالمرونة والإعتدال والجودة الأدبية واللغوية ليبلغ غايته السامية لا جدالية الكلمة.
    ءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءء
    المصدر / كتاب السبيل إلى بحورالخليل " كيف أعدّ نفسي لكتابة الشعر
    أ.د. أحلام الحسن
    الحقوق محفوظة

     

    مقطعٌ من قصيدة خاتم الرسل..للشاعر الكبير  أ.د. فوزي الطائي

                                                                         


                                                                        يتباركُ الرّبُّ العظيمُ الأبدعُ

    اللهُ ربُّ العالمينَ الأوسعُ

     

    ياربّنا حمدًا وشكرًا دائمًا

    دعواتنا في كلّ حينٍ تصدعُ

     

    بالنّورِ أرسلتَ الحبيبَ محمدًا

    للعالمين إمام رُشدٍ يُتبعُ

     

    يا أمّة الرّحمٰنِ والبركاتِ يا

    كفَّ النّدى من عينِ نورٍ تنبعُ

     

    يا دوحةً بالخير تنثرُ عطرها

    يارحمة الله الّتي لا تُقطعُ

     

    يانفحةَ الصّلواتِ تأتي نسمةً

    فيشُمها القلبُ الامينُ الاطوعُ

     

    كلُّ النّبيّينَ الكرامِ بغبطةٍ

    قد بشّروا بك سيدي وتطلّعوا

     

    للمصطفى سبعٌ طباقٌ فُتّحت

    والنّورُ والعرشُ الكريمُ الأضوعُ

     

    إن غابتِ الشمسُ الوضيئةُ مرةً

    انت الشموسُ لنا بليلٍ تطلعُ

     

    في الأرضِ مثلك حُرّةٌ ما أنجبتْ

    يأبى الزّمانُ على الزّمانِ ويمنعُ

     

    ذي طيبةٌ كان الظلامُ ينامُ في

    أعطافها صارت بنورك تسطعُ

     

    والفتحُ حين هوت بهِ أصنامهم

    وعلا بهِ البيتُ العتيقُ الأرفعُ

     

    وعفوتَ عن سفهاءِ مكّةَ ظافراً

    وعيونهم لعظيمِ حلمكَ تدمعُ

     

    دينُ الهدى والحقّ ِ دينُ محمدٍ

    والعزُ كلّ العزّ فيهِ مودعُ

     

    أركانُ بيتِ الدينِ آلُ محمد

    وصحابةُ الصّدقِ النّجومُ الخشّعُ

     

    صلى عليك اللهُ يا خيرَ الورى

    و الناسُ صلّت والملائكُ أجمعُ

     

    صل على هذا الرسولِ و آلهِ

    مادمتَ تسجدُ للإلهِ وتركعُ

     

    فعسى ننالُ من الحبيبِ شفاعةً

    عنّا بها يعفو الغفورُ ويدفعُ

     

    الجمعة، 30 أكتوبر 2020

    حوار الذات. احدث قصائد الشاعر العراقى الدكتور عبد الإله جاسم



     

    تحاورني مخيلة الذات وأسالها..

    لٍمَ تصنعين من الاوهام امجادا..؟

    يا ليت الذي يحيا بغيرك ..

    لا يرى بعد الحب احقادا..

    ما اجمل الاحلام حين تأتين بها..

    تغدو بنا الايام اعيادا..

    دعينا نكفكف دموع العين..

    وانظري ماذا يفعل هذا الذي عَمَ وسادا..

    لقد عاود الشر ان يسلك طريقاً الينا..

    فأبينا ان يمر او يعادا..

    حتى بلغنا ذروة الحب عرسا..

    وكان علينا عهدا نصون به رسالة الاجدادا.

    ثم التقينا مع صناعين الخوف..

    وتعاهدنا على الحب بلا تشتت..

    واتفقنا ان نكيل لبعضنا حبا وَوٍدادا..

    وامتدت جسور الرعب حول مياديننا ..

    وقلت مساعي الذي كان يسعدنا..

    وقد عولنا عليه الأعتمادا..

    كثر الحديث عن مشاغلنا ..

    حتى غربت بنا الاوطان..

    وتقطع نسل الاباء والاحفادا..

    إنا شربنا كأس الصبرعلقماً..

    فارتوينا حد الثمالة حتى ذهبت له الابعادا..

    وحصار الجوع والافلاس كان يحيطنا..

    فمكثنا نصارع اشباحاً ..

    خطت لهم نوايا الخبث وما زادا..

    فدنسوا الارض التي كانت حلمنا ..

    وغيروا وجوه الشرق ..

    وراحوا يمنحون كل وجه مرادا..

    أيا عار أحل بغير اهله..

    بعد ان ضعفت قوى منازله..

    وجددت عناوين كانت له اندادا..

    هاكٍ سيدة الديار اسم حبيبتي ..

    علها في قعر فنجانك تطفو لنراها وترانا..

    ظننا ان الايام تجمعنا ..

    ففرقتنا الانذال والاوغادا..

    لا تبخل حبيبتي حين تراني..

    اكتب على الوجوه هذا الذي خرب ثم قادا..

     

    النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقيادة التحويلية وقت الأزمة..بقلم : د. جميل ابو العباس الريان



    عندما تأتي الأزمات تنقلب الموازين وتفشل التخطيطات ويرتبك القادة والمسئولون الذين يسعون جاهدين- إلا قليلًا منهم- للمحافظة على مناصبهم ومصالحهم الخاصة على حساب مصلحة العامة والتضحية بالجزء لإبقاء الكل، لكن القائد الناجح والإداري المحنَّك يضع في حسبانه كيفية التصرف بحكمة في ظل الأزمات سواء أكانت طبيعية؛ كالزلازل والبراكين والأمطار والأوبئة وغيرها أم صناعية كخوض الحروب أو نشوب خلافات بين أبناء الوطن الواحد وغيرها. بل يقوم بتغير سياسته مستعينًا بخططه البديلة أو القيادة التحويلية لإدارة الأزمة بنجاح. وما أن ظهرت جائحة كورونا كوفيد-19 إلا وأربكت قادة العالم جميعهم الذي اجتاح موطنه الفيروس والذي ينظر يترقب دوره.
    إذا كان المفكرون الغرب قد نظَّروا لهذا الأمر ووضعوا الخطط والاستراتيجيات التي ينبغي على القادة اتباعها لتفادي مخاطر الكورونا إلا أن هذه الخطط جاءت قاصرة؛ حيث ركزَّ كل واحد منهم على ضرورة تحلي القائد بصفة أو اثنتين، وحين استقرأت تاريخ سيرة خيرة البريَّة محمد صلى الله عليه وسلم وجدته وقد اجتمعت فيه كل صفات القائد العظيم، بل زاد عن هذه الصفات وحيًا وإيمانًا وخُلُقًا، وإن كان هؤلاء القادة يفعلون هذا من أجل المصلحة الدنيوية فحسب إلا أنه فاقهم بالعمل من أجل المصلحة الأخروية والدنيوية معًا، وأن صفاته صلى الله عليه وسلم كانت فطرية فيه وهي خاصة به دون غيره صلى الله عليه وسلم.
    النبي القائد الأعظم:
    لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأعظم الذي امتلك كل عوامل القيادة التحويلية بالوحي الذي أرسل به وبصفاته الأخلاقية العظيمة، وبحكمته ورجاحة عقله التي بدت عليه حتى قبل تبليغه الرسالة الخاتمة، لقد حمل على عاتقه مهمة تحويل عالم الكفر والأوثان إلى عالم الإيمان والإسلام، فلُقِّبَ بالصادق الأمين قبل دعوته، وقال فيه ربه تعالى:" وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4)، وقال عنه أيضًا "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران:159)
    النبي القائد يضحي بنفسه أولًا قبل بجنوده:
    كان صلى الله عليه وسلم القائد المقدام الذي لا يضحي بجنوده ويختبئ خلف الصفوف وإنما كان في مقدمة الجيوش وهذا ما لم يفعله أـحد من قبله صلى الله عليه وسلم.
    حقًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس حربًا وسلمًا، ففي الحرب يقول عنه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه واصفًا شجاعته: "لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا". (رواه أحمد بن حنبل 241 ه رقم الحديث: 651) وقال البراء رضي الله عنه واصفًا شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب: "كنا والله إذا احمَرَّ البأس نتقي به وإنَّ الشجاع منا للذي يحاذي به". (رواه مسلم رقم الحديث: 1776)
    النبي القائد لا يستبد برأيه:
    ليس هذا فحسب بل كان صلى الله عليه وسلم يشارك أصحابه رضوان الله عليهم الرأي وينزل عن رأيه إذا أجمعوا هم على رأي يخالف رأيه، وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" (آل عمران:159) نِعم القائد هو محمد رسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
    النبي القائد يأكل أخرًا:
    وفي مشاركة القائد الحق أصحابه في كل أحوالهم فيكفيه فخرًا صلى الله عليه وسلم أنه ربط على بطنه حجراً من شدة الجوع، كما جاء ذلك صريحاً في عدة أحاديث منها ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: "لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع".
    هذا هو القائد الحقيقي ليس الذي يترك جيشه وقت الأزمات ويأكل ويشرب ولا يبالي بغيره، بل كان صلى الله عليه وسلم يبدأ بأصحابه ويجعل نفسه آخر من يأكل أو يشرب، وكان يأخذ نصيبه مثل أصحابه ولا يزيد عليهم.
    وفي حديث أبي طلحة أثناء حفر الخندق...... ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيهِ ما شاءَ أنْ يقولَ، أي: دَعا في الطَّعامِ بِالبرَكةِ، ثمَّ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأَبي طَلحةَ: ائذَنْ لِعشَرةَ؛ وذلكَ لأنَّ المكانَ لا يتحَمَّلُ العَددَ كلَّه، فأذِنَ لهمْ فأَكلوا حتَّى شبِعوا، ثمَّ خَرجوا، ثمَّ قالَ: (ائذَنْ لعَشَرةٍ) ثانِيةً، وهكَذا حتى أكَلَ القومُ كلُّهمْ وشبِعوا، والقومُ سَبعونَ أو ثَمانونَ رَجلًا، بِبركةِ دُعاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
    وفي هذا الحديثِ: حُسنُ عِشرتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابه، حيث لم يُرِدْ أنْ يُطعَمَ وَحدَه، وأصحابُهُ جَوْعى، بلْ أَطعمَهُمْ قبلَ أنْ يَطْعَمَ. وفيهِ: معجزةٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهي مِن دلائلِ نُبوَّتِهِ الشَّريفةِ.
    النبي القائد يبعث الأمل في نفوس أصحابه ويبشرهم:

    وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- في أشد الأزمات يبشِّر أصحابه بالفرج، وإزاحة الغمة، ولما اشتد عليه الأمر في غزوة الأحزاب وكان الوصف كما وصف الله: (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) (الأحزاب:10)، إذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يبشرهم بفتح روم وفارس؛ فبشِّر ولا تنفر.
    وفي أثناء حفر الخندق اعترضت الصحابة صخرة عتية، فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان رضي الله عنه، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" دعوني، فأكون أول من ضربها". فقال:" بسم الله" فضربها، فوقعت فاقة، فقال:" الله أكبر، قصور الروم وربّ الكعبة". ثم ضرب أخرى فوقعت فاقة، فقال:" الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة". فقال عندها المنافقون: نحن نخندق، وهو يعدنا قصور فارس والروم. رواه الطبراني
    النبي القائد يدعو أصحابه للتحلي بالصبر:
    إلى جانب بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وطمئنته لهم، كان يحثهم على التحلي بالصبر والرضا بما عند الله تعالى وما اعده لهم من نعيم مقيم في الآخرة، ومن ذلك عندما زاد ضغط المشركين وتعذيبهم للمسلمين المستضعفين، شكى خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) ( البخاري ).
    وهذا الأسلوب في الطلب من خباب رضي الله عنه حين قال:" ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟" يوحي بما وراءه، وأنه صادر من قلوب أتعبها العذاب، وأنهكها الجهد، وهدتها البلوى، فهي تلتمس الفرج العاجل، وتستبطئ النصر فتستدعيه، ومع ذلك احمر وجهه صلى الله عليه وسلم وقعد من ضجعته، وخاطب أصحابه بهذا الأسلوب القوي المؤثر، ثم عاتبهم على الاستعجال بقوله: (ولكنكم تستعجلون)، لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يربي أصحابه على أن قبل النصر البلاء والصبر، فالرسل وأتباعهم يُبْتلون ثم تكون لهم العاقبة، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (سورة يوسف، الآية:110)، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55).
    إن من يتأمل ذلك الموقف الذي كان يعيشه خبّاب بن الأرت رضي الله عنه يدرك أن له من المبررات الكثير، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يربي الصحابة ومن يأتي بعدهم على الصبر والثبات وعدم الاستعجال، وعلى التأسي بالسابقين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، الذين تحملوا الأذى في سبيل الله، وضرب لهم الأمثلة في ذلك.
    النبي القائد يشكر أصحابه:
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكر أصحابه على القليل وخاصة في ظل الأزمات فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان والطيالسي، وهو حديث صحيح صححه العلامة الألباني.
    هذا غيض من فيض من الصفات الأخلاقية العظيمة التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الرخاء ووقت الشدة، ووقت اليسر والعسر، فعلى كل القادة ومديري الإدارات أن يتحلَّوا بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة وخاصة في ظل الأزمات وأزمة كورونا تحديدًا حتى يخرجوا من الأزمة دون خسائر أو بأقل خسائر ممكنة على أسوأ تقدير.

    المراجع:
    (1) حسن حسونة: أخلاق المسلم في الأزمات،
    http://www.salafvoice.com/article.aspx?a=19981
    (2) موقع إسلام ويب https://www.islamweb.net/ar/article/158922
    (3) غسان محمد علوان: السيرة النبوية: غزوة الأحزاب (الخندق) 2.
    https://www.facebook.com/

    قصة قصيرة ..رحلة الى العالم الآخر ..للكاتبة والأديبة البلغارية دينكا إليِّفا ..ترجمها من اللغة البلغارية إلى العربية د٠محمد طرزان العيق

      



    إهداء إلى روح والِديَّ

     

      منذ وقت وهم يعزمون على خوض التجربة

      قالت الجدة سيفدالينا: سنرتدي ملابسنا الجديدة ونذهب إلى الفراش٠

     عبس الجد أتاناس وتمتم:  حسنًا ، لو كانت الأمور تحدث هكذا!٠٠

     أجابته زوجته العجوز ، معترضة : ولم لا تحدث ؟!٠٠٠٠يكفي أن يرغب الانسان في ذلك ويعقد النيّة٠٠

      كان كلاهما طاعنين في السِّن وقد إنحنى ظهريهما تحت عبئ السنين٠ وحتى وقت قريب ، كانت الجدة لا تنفكُّ تحسب سنوات عمرها - لقد ولدت كهبةٍ من الله٠وعلى النقيض من ذلك لم يكن الجد أتاناس يكلّف نفسه عناء تَذكُّر هذه السنوات على الإطلاق -  وكان يقول لنفسه ولتكن بقدر ما تكون!٠٠٠     

    كان العجوزان يعيشان بمفرديهما  وعلى ما يبدو فإن هذا المنزل العتيق ، الذي يأويهما يمكن أن يصمد لشتاء آخر أو نحو ذلك ، وكل ما يحتاجه هو إعادة ترتيب بلاطات السقف القرميدية٠ وقد كانت الغرفة التي كانا يعيشان فيها دافئة و تعلو جدرانها طبقات من الدخان ٠ أمّا فناء المنزل٠٠٠فكان يعاني من الاهمال ، والله وحده يعلم كم صيفٍ قد مرَّ ولم يتم جزَّ أعشاب الحديقة!٠٠٠

     وتمتمت الجدة متأفّفة: إني أخشى الخروج من المنزل ، تلك الحشائش في الحديقة تصدر أصواتاً صاخبة٠٠٠

     والحقيقة أن زوجها العجوز قد قام بقص وجزِّ هذه الأعشاب والحشائش مرات ومرّات ، غير أن يداه لم تعد تقويان على هذا الجهد وصحته لا تساعده على ذلك ٠

    وقال  الجدُّ بغضب: كم من مرّةٍ قد قمتُ بجزِّ أعشاب الحديقة وتشذيبها!؟٠٠٠

     كانت الجدة ترتدي تنورة صوفية  بشكل دائم سواء في الشتاء أو في الصيف٠٠٠لقد قامت ،عندما كانت صبيّة صغيرة بغزلها وحياكتها ٠وكانت تعتمد على هذه التنورة اليتيمة لتقدير مدى تقدمها في العمر وكذلك مدى نحافة جسمها٠٠٠ولقد إعتادت كل صباح على قياس محيط خصرها عبر عدِّ الأزرار التي تحتاجها لشد الحزام حول خصرها النحيل ٠

     وقالت متبرّمةً كنت أشد الوثاق ثلاث مرات وأما عندما كنت فتاةً صغيرة ٠٠         

    قاطعها العجوز ساخراً : عندما كنتِ شابَّة ، كان كل شيء بالفعل مختلفًا !٠٠٠

    لم تصمت الجدة وردّت على زوجها قائلة : نعم كان الأمر مختلفًا وبالنسبة لك أيضًا٠

     

    كان الجد أتاناس يجلب أكياسًا مليئة بالكامل بالملابس من المدينة ،ولهذا كان يرتدي كل يوم ملابس مختلفة٠ وعندما كان يذهب إلى الحانة ، كان البعض يتحرّشون به ويحاولوا مضايقته فيقوم أحدهم متهكماً بتوجيه السؤال إليه : أيها الجد ناسكو(1)، هلَّا أخبرتنا بماركة الشروال الواسع الذي ترتديه؟!٠٠

     فيجيبه الجدُّ قائلاً :  ويحك إنه ليس شروال إنه بنطال جينز٠٠٠إنه لحفيدي    

    - طيّب ، طيّب "إذن هو الجينز٠٠٠ هل هو صناعة أمريكية ؟!٠٠٠  

    ويعقّب آخر بسخرية ، طبعاً إنه أمريكي الصنع ، ألا ترى كلمة ريلا(2) المكتوبة على البنطال؟!٠٠            

      وأوضح الجدُّ أتاناس : لدي المزيد من هذه السراويل ، إنها أكثر حداثة وعصرية وتواكب الموضة وبعضها ذات  جيوب عديدة٠٠٠

     وإنخرط الرجالُ في الحانة في نقاش مطوّل حول مَن يرتدي هذه الملابس وحول كيفية إرتدائها٠

    كان واحد من قرية ''جوروتسفيت'' يرتدي ملابس عسكرية بكامل زينتها وتفاصيلها وعلى ما يبدو فقد كان ابنه عقيدًا في الجيش . كان هذا القروي يرتدي البدلة العسكرية ، ويقوم وبلا أدنى حرج برعي أغنامه ، في حين كانت أكتافه تتزين بنجوم الرتبة العسكرية .  بينما حظي قروي آخر ببدلة طيّار حربي فإرتداها وقام بقيادة عربة  يجرُّها حمار!٠٠٠

    وقد يتساءل البعض هل أنجب الجد ناسكو وزوجته سيفدالينا أطفالًا ،  بالطبع ، ولم لا يستطيعا الانجاب؟!٠٠٠ بل و كان لديهما أحفاد. لكن الشباب لا يريدون أن يزعجهم أحد ويفضلون الاستقلال بحياتهم ٠ ومن جهة أخرى كان كبار السن أيضاً يعتقدون بأنه من الأفضل أن يعيشوا لوحدهم

    وفي السنوات السابقة ، عندما كان الجد ناسكو ما زال قوي البُنية  كان يستطيع أن يجز الحشائش الضارة في واجهة المنزل ويقصها ويشذبها٠

      والآن بعد أن إزدادت عليهما ضغوط الحياة  ، فلم يعد في وسعهما سوى الجلوس أمام منزلهما ويتبادلان أطراف الحديث . غير أن الحكايات قد نفذت ولم يعد لديهما ما يقولان لبعضهما. ولقد إستعادا تاريخ حياتهما جيئة وذهاباً ، بكل تفاصيلها ولعدة مرات٠

    تذكرت الجدة سيفدالينا  كيف أنها كانت تذهب وهي صغيرة كي ترعى الجاموسة ، وكيف أنها بسبب هذه الجاموسة ، لم تتمكن من إكمال المدرسة سوى للصف الرابع فقط ٠

    وتتذكر العجوز كيف أن قريبتها الأكبر منها كاكا (3) ''ميكا''، التي  تمكنت من الدراسة حتى الصف الثاني وهذا ما سهّل خطوبتها لأحد التجار وأضافت;  كم كنتُ أحسدها على حظها وأنا أراها جالسة في دكان زوجها٠٠٠ وأمّا كاكا  ''كريستينا'' ، التي كان زوجها٠٠٠

    هنا  قاطعها الجد ناسكو وقال لزوجته العجوز لم يكن حظِّك مثلهن ، كما أن التاجر لم يكن يعجبك ولم تكوني تستلطفيه !٠٠٠

    وردَّت عليه الجدة  سيفدالينا : لا يمكن للأشياء أن تتكرر في نفس المكان والزمان ، وهذه الحياة تحمل لكل شخص منّا أشياء مختلفة٠

    صمتت الجدّة لبعض الوقت ، ثم عادت ذكريات الماضي إلى مخيلتها فقالت:

    - أتذكرُ يوم شاهدتك متلبساً بأم عيني مع نادلة الحانة ، وقد رأيتكما ، كيف كنتما تتقلبان كقطط هائجة في الغرفة الخلفية٠٠٠ يا لها من إمرأة!٠٠لقد كانت سيرتها على لسان كلِّ نسوة القرية وكنَّ يشكُين من تصرفاتها!٠٠٠

    - لوّح الجدُّ بيده وقال دعكِ من هذا وأتركي

    قاطعته الجدة : ماذا أترك؟! حسنًا ، لو أن أطفالنا لم يكونوا صغاراً لكنتُ قد فكَّرتُ٠٠٠

     - بماذا كنت تفكرين؟!٠٠٠ 

    - كنت سأغادرك وأترك المنزل!٠٠٠  

    - وإلى أين كنتِ ستذهبين؟٠٠٠

    - تسألني إلى أين !٠٠٠ كنت سأجدُ ٠٠٠     

    لنترك هذا جانباً ، فلقد إنتهى الأمر٠٠٠الزمان يجري كالنهر   -

    - - نعم إنه نهرٌ لكنه مختلفٌ من شخص إلى آخر!٠٠٠ كنت ألهثُ متنقلة من الصباح حتى الليل في الحقول ، وعندما أعود للمنزل كي أحاول بالكاد أن٠٠٠

    - وأنا, ألم أكن أسعى أيضاً جاهداً ولاهثاً؟

    - نعم أنت أيضاً ، لم تكن تألو جهداً ، غير أن دكان الاغذية الغريب (مخزن لبيع كل شيئ) ٠٠٠   

       - فهل كنت أبالغ في الشرابِ وأسكر؟!٠٠٠أنتِ تعرفين أنه كان هناك بعض٠٠٠

    أجابت الجدة: لا لم تكن تسكر، ولكنك كنت تجد المبررات لتخرج !٠ وتساءلت الجدة: ماذا كان إسم تلك الفتاة ؟!،  هل كان ''دوروتيا'' ؟!٠٠٠تلك الفتاة التي كانت تأتي من المدينة...آه كيف كانت تغنّي وتتدلّع٠

    رفع الجدُّ ناظريه إلى زوجته العجوز وقال متسائلاً : أو تظنّين أنّني لا أعرف لماذا كان ذلك البستاني يعطيك بطيخاً؟!٠٠٠

     دافعت الجدة سيفدالينا عن نفسها: وا عجباه ، لقد أعطاني بطيخة واحدة فقط ، يالها من معجزة !٠٠٠

    - لا لم تكن بطيخة واحدة٠٠٠وتابع : لقد كنت أجزُّ الاعشاب والحشائش في حقل الانابيب الخمسة (بتِّي تشورتشيتا) ، حينَ مرَرتِ من هناك٠٠٠

    - نعم ، كنت ذاهبة لأعيد الحمار إلى حظيرة الحيوانات!٠٠٠ 

      - آ ها !٠٠٠وماذا بخصوص ثوبكِ الذي كان عالقاً بشوكِ السور؟!٠٠٠

      صحيح ،علق بالشوك٠٠٠ -

      - ثم إقتربَ منك ذلك الرجل٠٠٠          

    نعم إقتربْ٠٠٠  -

    - وماذا قال لك؟!٠٠٠

    لم يقلْ لي شيئاً٠٠٠ -

     لا ، بل قالَ لكِ ، قد قالْ!٠٠٠ -

    غضبت الجدةُ سيفدالينا وسألتْ زوجها وهي تهز الجورب الذي كانت تحيكه:

      - هل سمعت ما الذي قاله لي ذلك الرجل؟!٠٠٠

    مضت عدة أيام على ذلك الحديث وتلك المجادلة ، غير أن الجدّة  ، كانت تتجول وهي غاضبة وعبوسة وكان يؤلمها أن تُتَّهم بأشياء لم تحدث!٠٠٠ولهذا وبعد هذه المحادثة  استمرت وبقسوة أكبر ، في فضح تصرفات زوجها وكان لديها الكثير من المستمسكات والأدلة  ضده٠ لقد كان يخونها مع نادلة الحانة ٠٠٠حسناً فلقد هدأ ناسكو وأصبح رزيناً٠٠٠ولكن بعد فترة من الوقت كانت له ، قصة ومغامرة جديدة!٠٠٠

    ذات مرَّة سرقوا منه القمح ، حين كان ذاهباً به إلى المطحنة!!٠٠٠لقد كان القمح  معبئاً في أربع شوالات كببرة وسرقوها كلّها دفعة واحدة٠٠٠ وعلى حد زعمه فلقد ترك العربة بحمولتها وذهب ليجمع الفطر من الغابة!٠٠٠ وعندها قامت امرأة من ''جورنوريتشين''(4) بإستدراجه إلى الداخل٠٠٠

    هكذا كن نسوة ''جورنوريتشين'' - إنهنَّ يتربصنَ بالرجال ويتصيّدن فقط الرجال الغرباء الأجانب !٠٠٠لقد كنَّ  يذهبنَ إلى النهر ليغسلن الملابس ويغتسلن في النهر!...كنَّ يتجردن تماماً من ملابسهن ويصبحن عاريات تماماً!٠٠٠كانت تلك النسوة عديمات الحياء ولا يخجلن من أحد أبداَ  

    حاول الجدُّ أن يدافع عن نفسه ، فقال: لقد قامت النسوة حينها بمطاردتي! ٠

    ! ولكن لمَ لمْ تطارد النسوة رجلاً آخر ؟!٠٠٠٠٠٠  - قلت لي كنّ تطاردنك

    لقد كان لدى المسنَّين(الجدُّ والجدَّة) الكثير مما يقولانه لبعضهما البعض٠وكثيراً ما كانا يبقيان مستيقظين طوال الليل ويظلان يثرثران ويتكلّمان ، غير أن الجد ناسكو يعاني من نقص السمع  ، ولذا كثيراً ما كانت الجدة تضطر إلى تكرار ما تقوله مرات عديدة٠٠ وكانا يتحدثان في كل الأمور، فمثلاً تطرّقا إلى العهر وقلة الحياء والاعمال المخزية عند الناس ، وتحدثا عن مشاكلهم ومصائبهم ومصائب غيرهم من البشر٠ 

    وعندما سقط البَرَد الكبير!  كانت حبّة البَرد بحجم البيضة!٠٠٠عندها كان الناس يبكون وكأنهم قد فقدوا عزيزاً عليهم ، ٠٠٠نعم لقد ذهب كل شيئ مزروع أدراجَ الرياح  ، وذات صيف إشتعلت الاعشاب الجافة في قرية (غوغوفيتي) وكادت القرية كلها أن تحترق ،  لو لم يتم إخماد النيران وذلك بمساعدة عربتي إطفاء جاءتا من المدينة ٠٠٠

    وتحدّث الجدّان عن المزرعة وعن الحقول ، حيث لم يرغب أحد في ذلك الوقت في إعطائها للجمعيات التعاونية في البداية ، ثم اعتاد الناس على الحياة المشتركة. وليت الأمور إستمرت على هذا النحو - فلقد قام بعض الأشخاص بتحميل سيارتهم و٠٠٠

    وقد تحدث المسنَّان عن أطفالهم وأحفادهم -  لقد مرَّ كل شيء من خلال أفواههم. ولم ينسيا ان يتحدثا عن هذه الكنَّة٠٠٠ كانت تفعل كذا وكذا وأما الكنة الاخرى فقد عملت هذا أو ذاك٠٠الخ٠٠

    وتذكّرت الجدة  سيفدالينا  أيام الصبا ، كم كانت وهي فتاة صغيرة  جميلة ، وذكية ٠٠٠

     وقالت: لقد أراد أحد شبان القرية أن يتزوجني٠٠

    فأجاب الجدُّ بعصبية : ولماذا لم يأخذك؟

    فقالت : رفض أبي أن يعطيني إليه ، لأنه كان فقيرا وبلا أملاك!٠٠

    و في بعض الأحيان كان كلاهما يتحدثان في شؤون السياسة. فلقد كان الجد أتاناس يتلقى بعض الصحف من مكتب البريد٠

    قرأ الجدُّ حروف الجريدة وقال: ها قد تحرّك الروس

      - مَن الذين تحركوا؟!٠٠

      -- الروس!٠٠

     - آ ها٠٠

    ثم تابع قائلاً

    - الأمريكيون بخير ، وها هم يشعلون النَّار هنا وهناك، أنظري إلى ما يقوله: مندوبهم ٠٠٠

    قاطعته الجدّة وقالت

    - دعك مما يقوله هذا الأمريكي ، إذهب لرؤية الحمار فلربما يكون عالقاً بالحبل الملتف حول جسمه !٠٠كما أن الخنزير بحاجة لمن يضع له الطعام٠٠٠سيأتي يوم وسيقوم الخنزير بهدم هذه الخرابة (الكوخ المتهالك) ، التي تأويه٠٠٠

    وكثيراً ما كان العجوزان يتبادلان الشكوى بعضهم لبعض حول أمراضهم!٠٠

    فتقول الجدة:

    - لقد آلمتني ساقاي كثيرا تلك الليلة٠

    فيجيبها زوجها :وأنا أيضاً قد آلمتني ساقاي

    لم يكن الجد أتاناس ولا الجدة سيفدالينا يتوقعان أن ينظر أحد إليهما بعين العطف أو ان يعتني بهما٠٠٠ولقد كان أبناؤهما يعيشون بعيداً عنهما  ، وكان لكل منهم همومه ومشاكله الخاصة٠٠٠

    وبالمناسبة كان بعض الأشخاص قد غادروا القرية  وذهبوا للعيش مع أبنائهم في المدينة ، فمثلاً كانت نيكولينا بوبوفا قد ذهبت للمدينة ، حين دعتها أختها لزيارتها!٠٠٠

    وتقول نيكولينا أنها قد أصيبت بذعر شديد حين صعدت إلى الطابق الحادي عشر بالمصعد ، ولقد كانت خائفة طوال الوقت وكانت تظن  أن هذا الصندوق ، الذي كان يتحرك للأعلى ، ربّما لن يفتح أبوابه ولهذا لم تكرر هذه المخاطرة

    وإشتكت نيكولينا للجدة سيفدالينا، بأنها طوال فترة مكوثها في المدينة لم تخرج أبداً من بيت شقيقتها!٠٠٠

    كانت تذهب إلى الشرفة  ، غير أنها كانت تصاب بالدوخة والغثيان كلما نظرت إلى الأسفل من هذا العلو  ولذا كان كل ما تحلم به هو أن تعود لبيتها وتعتني  بالزنابق في الحديقة!٠٠٠

    وعقّب الجد أتناس على ما قالته زوجته : من الافضل لنا أن نعيش لوحدنا في منزلنا!٠٠       

    وها قد أتى الشتاء الآن ، وللحق فقد كان شتاء قاسياً! وتساقط الثلج  بغزارة ، على سبيل المثال ، فلقد تغطى السطح و السقيفة ، وحظيرة الحيوانات بطبقة كثيفة من الثلوج٠٠٠وإلى أين كان الجد أتاناس والجدة سيفدالينا سيذهبان ؟  ولأجل ماذا سيخرجان  في هذا البرد ٠٠ إن رغيفاً واحداً من الخبز كان يكفيهما لمدة ثلاثة أيام ، بل يخلطان الطعام ويقدمانه للماشية التي يربونها في بيتهم -الخنازير والأغنام والماعز ، وحده الحمار  ماركو(5)  كان يقف صابراً بجانب المذود (المعلف)٠٠٠

    لقد سئم العجوزان المسنّان من هذه الحياة !٠٠

    وكانت الجدة سيفدالينا كثيرا ما تكرر : سنرتدي ملابسنا الجديدة وسنذهب إلى الفراش٠٠٠

    إن الموت قادم إلينا لا محالة،  ستأتي وحده٠

    وتساءل الرجل العجوز : وماذا لو لم يأت ؟!٠٠

    - - آه ، ماذا ، كيف لن يأتِ؟!٠٠حسنًا ، سنتوقف عندها عن التنفس قليلاً و٠٠٠

    يقول الجد : ومَن سيجدنا؟

    فتجيبه الجدة : مَن سيجدنا!٠٠٠لا تخف... سيجدنا شخصٌ ما٠٠

    وقالت : لقد إنتهى كل شيئ وقد  حانت تلك اللحظة ، التي ننتظرها

    فتحت الجدة سيفدالينا صندوق الملابس وقالت: كل شيئ جاهز وها أنا قد وضعت هنا في هذا الصندوق نحتاجه نحن الاثنين!٠٠

    نظر الجد أتاناس لفترة طويلة  إلى ملابسه الجديدة!٠٠

    ولقد كان سرواله عريضًا قليلاً وأما قميصه فكانت ياقته تبدو فضفاضة وواسعة بالنسبة لرقبته الهزيلة ٠

    طمأنته الجدة قائلة : لا بأس ، من الافضل أن تكون الملابس واسعة بدلاً من تضايقك وتخنقك ٠٠٠ وليكن ''العالم الآخر'' لك فسيحاً ٠

    ويمازحها الجدُّ ويسأل وهل هناك ''عالم آخر''؟!٠٠

    أجابت الجدَّة : نعم ، نعم فلقد كان الكاهن يقول لنا٠٠٠

    قاطعها الجدُّ وهو يكرَّر كلماتها بسخرية ; الكاهن يقول؟!٠٠إسمعيني : أنا شخصيا ، لا أثق به كثيرًا ٠٠٠

    نهرت الجدَّة  زوجها ، ووبَّخته ، دعنا نترك الكاهن وشأنه ٠٠٠

    وأضافت : إن كنَّا سنحضّر ملابسنا للسفر فلنحضّرها ٠

    كان السرير مرتباً ومغطى بشرشف ، وأما وجوه  الوسائد فكانت منقوشة ومزينة بزهور وردية وزرقاء اللون٠

    أخذت الجدَّة سيفدالينا حذاءها العتيق وراحت تطرق كعبيه محدثةً صوتاً ، وقالت : صحيح أن الحذاء ليس بجديد ، عمره يتجاوز الثلاثين عاماً!  ، غير أنه ما زال لامعاً٠٠٠

    كان ثوب الجدّة أخضر اللون وكانت له طيات٠٠ طيات ثقيلة ، وكان  مزيناً بشريط مخملي أسود من الأسفل ، أما المريول فكان يبدو كالحديقة  لكثرة الازهار فيه٠

    وقد غطت الجدَّة شعرها بشال رقيق ناعم وتتزين نهاياته بخرزات زرقاء٠٠٠

    وقد بدت الجدة محتارة وتساءلت ; هل تضع قلادة على عنقها أم لا؟!٠٠

    إنهمك الجد أتاناس بالبحث عن حزام سرواله وفشل أن يعثر عليه وأخيراً وجده في أسفل صندوق الملابس!٠٠ حلق الجد أتاناس ذقنه ، وقد رش وجهه الحليق بعض الكولونيا. أيضا ، تماماً مثلما كان يفعل عند ذهابه للتصويت٠٠

    وهنا مازح زوجته مرّة أخرى وتساءل; هل سيكون الآخرون هناك؟!٠٠

    فأجابته مَن هؤلاء الآخرون؟٠٠

    قال الجد;  مَن سيكونون ، طبعاً هؤلاء الذين سبقونا٠٠

    فقالت ; آه  نعم ،لقد فهمتك ، لعلّك تقصد نادلة الحانة!٠٠

    وأجابها زوجها ; ما بها٠٠ فعلاً كانت إمرأة جميلة وجيدة٠

    فصرخت الجدة ;  فليصيبكَ الطاعون ويقضي عليك هنا وفي هذه اللحظة !٠٠

    وهنا وبشكل مفاجئ وبشكل جدي، سأل الرجل العجوز;   ماذا سيقول أبناؤنا؟!٠٠

    فكرت الجدة للحظة بما قال زوجها وإستمرت بتفحص خيط القلادة ، التي لم  يكن فيها سوى قطعة ذهبية وحيدة وهي تضعها حول عنقها٠  وردّت بسرعة على تسائل أتاناس: لن يقولوا شيئاً٠٠٠

    الوقت يمرّ، وها قد حان دورنا الآن!٠٠

     نصحها الرجل العجوز بشأن القطعة النقدية الذهبية: أعيديها إلى الصندوق ، ربما سيأخذها أحدهم ، حين يعثرون علينا٠

    من الافضل أن تبقى هذه القطعة الذهبية لأحفادنا ،علّهم يستفيدوا منها٠٠

    ترددت الجدة للحظة ثمّ شدّت طرف خيط القلادة وأحكمتها حول رقبتها٠

     وأما الرجل العجوز فقد قال: لقد طلبت منهم أن يدفنونا بجانب أهلنا ، ثم نظر من النافذة وأضاف: آمل أن يهدأ الطقس ويصبح أكثر دفئاً ،لأنه إذا استمر الجو بارداً فلن يستطيعوا الحفر في الأرض المتجمدة، لن يمكنهم حفر أي شيء٠

    ردتّ الجدة : سوف يحضرون آلة الحفر (الحفارة) لهذا الغرض٠٠

    وعلّق الجدُّ وقال : وحتى لو أتوا بألة الحفر فإنها أيضاً ستعجز عن حفر الارض المتجمدة!٠٠

    استمر العجوزان في الاستعداد والتحضير لرحلتهم٠٠٠ سحبت الجدة  من صندوق الملابس سترة مخملية بلا أكمام وكانت جميلة ومطرزة٠

    وتتذكر الجدة : آخر مرّة ،ارتديتها كانت في عيد القديس ''سباس'' ، أثناء إحتفالنا بعيد القرية٠٠

    اقترح الجد :"علينا أن نتخلّى أنا وأنت عن طقم الأسنان٠٠٠لسنا بحاجة لها ، وما الفائدة منها؟"

    قالت الجدة : لا أدري بالفعل ما أقول ، لكني أعتقد أنهم قد تركوا طقم أسنان الجدة دولابتشيكا في فمها!٠٠ 

     ها قد خيّم الظلام٠٠      

    وفجأة  تذكر الجد أتاناس الخنزير وتساءل ماذا سيفعل بعدهم؟!٠٠

    قالت الجدة ضع له وكذلك للاغنام طعامهم للمرة الأخيرة٠٠

    تطلّع الرجل العجوز من حوله وقال: نحن هنا ، الآن، ومَن يرانا سيحسب بأننا في حفل زفاف ! ثم هبط على درجات السلم إلى أسفل٠

     كان بالكاد يستطيع أن يشق طريقه عبر الثلج المتراكم ، تجاوز البئر ، ثم انعطف نحو حظيرة الحيوانات٠

    وعلى ما يبدو أنه مكث في الحظيرة لفترة طويلة وتأخّر فيها!٠٠٠

    كانت الجدة  ، تسترق السمع ، وتتلفّت حولها ، وكانت تارة تنظر إلى النافذة وتارة إلى  السرير المرتّب٠

    وهمست قائلةً: ها هي الشموع موجودة  ، عليَّ ألا أنسى المصباح٠٠

    وأخيرا عاد الجد أتاناس ، ولقد أبيضت بشرته من البرد القارس ، وبدا سعيدا وراضيا!٠٠

    ومع دخوله  بدأ يتكلم : 

     أتعلمين بأن تلك العنزة السوداء ، ذات الجبين الأبيض قد ولدت جدياً صغيراً ، لقد رأيتها وهي تلعقه٠

    قالت المرأة العجوز: حسنًا ، ولكن ألن يتجمد هذا الرضيع في هذا البرد الشديد؟!" ، كان عليك أن تحضره إلى هنا ٠

    قال الرجل العجوز بلهجة آمرة :  ضعي بعض الحطب في الموقد ، حتى تتدفأ الغرفة ، وتابع قائلاً : سأذهب لآتي بالصغير إلى هنا!٠

     كان الليل قد تقدم وإزدادت العتمة٠ كل شيء يمكن رؤيته من خلال النافذة هو إمتداد البياض ، ما عدا  بقعة واحدة فقط أمام المنزل  كانت مظلمة ، حيث كان الثلج  ذائباً ،  وكانت أزهار الثلج الشجاعة ( نبتة الكوكيتشكا)- (6) ترفع رؤوسها مزهوة إلى الأعلى٠٠

    كانت هذه الأزهار تشكل خطاً كاملاً من الأزهار (مسكبة  كاملة )!٠٠٠ 

     دينكا إلييفا

    ---------------------------------------

    هوامش

    (1)  ناسكو : هو تصغير للاسم الاصلي أتاناس وهي عادة متبعة في بلغاريا وكل أوروبا وتطلق للتحبب٠

    (2) ريلا : هو إسم أحد الجبال المشهورة في بلغاريا

     (3) كاكا :  تستخدم كلمة كاكا باللغة البلغارية للدلالة على الشقيقة الأكبر ، وتعادل كلمة ''أبلة'' باللغة العربية في اللهجة المصرية٠

    (4) ''جورنوريتشين'': هو إسم قرية من قرى بلغاريا

    (5) ماركو: يطلق البلغار على الحمار عادة إسم ماركو ، مثلما يطلق الفلسطينيون مثلاً إسم أبو صابر!٠

     (6) الكوكيتشكا : وهي زهرة بيضاء جميلة وهي أولى النباتات التي تزهر في الثلج وهي مقاومة للبرد وترمز للصحة٠

     

     

    ألعاب البراءة والقسوة في أوَّل أعماله الرِّوائية..الزَّمن الحسِّي" لـ جورجو فاستا"

      

     


    كتب : حافظ الشاعر

    صدرت عن منشورات المتوسط -إيطاليا، رواية "الزَّمن الحسِّي" للمؤلّف والروائي وكاتب السيناريو الإيطالي جورجو فاستا، وهي الرواية التي «تعدُّ بلا شكٍّ واحدة من أهمِّ الرِّوايات التي ظهرت في إيطاليا في السَّنوات العشر الماضية»، كما وصفَها الملحق الأدبي "التايمز" (TLS)، بينما أقرَّت صحيفة لوموند أنها «روايةٌ أولى متطوِّرة البناء على نحوٍ مثيرٍ للإعجاب»، وذهبت فاينانشيال تايمز إلى القول بأنَّ الرِّواية «كُتبت لأجل قراءةٍ كثيفةٍ ورائعة». ترجمَ الرواية عن الإيطالية المترجم السّوري أمارجي، الحاصل على عدَّة جوائز أدبية في الترجمة، وصدر من ترجماته الرِّوائية عن المتوسط: "البحر المحيط"، لـ ألِسَّاندرو باريكُّو، 2017. "واحدٌ ولا أحد ومائة ألف"، لـ لويجي بيراندللو، 2017. "زهرة القيامة (عجائب الألفيَّة الثَّالثة)"، لـ إميليو سالغاري، 2018. وحديثاً، في سلسلة الشِّعر الإيطالي: "هذا الجسد، هذا الضوء" لـ ماريَّا غراتسيا كالاندْرُونِهْ، و "شاربو النجوم" لـ إرنِستو رغاتْسوني، 2020.

     

    تعود بنا رواية "الزَّمن الحسِّي" إلى عام 1978، في مدينة باليرمو الغارقة في برِّيَّتها وبدائيَّتها، حيثُ يُواجه ثلاثةُ صبيةٍ في الحادية عشرة من أعمارهم، مليئين بالحماسة والأفكار، العالمَ لأوَّل مرَّة. ثلاثةُ صبيةٍ مبكِّري النُّضج، وشهوانيِّين، وحُوشِيِّين، يجوبون المدينة مقتنعين بأنَّهم أشخاصٌ مختارون. من روما، تهبُّ عليهم رياح ذلك العام الفظيع – الألوية الحُمْر واختطافُ ألدو مورو – وبسبب سخطهم من النّزعة الإقليميَّة في إيطاليا، يبدؤون بالانفصال شيئاً فشيئاً عن الواقع ويؤسِّسون خليَّتهم الإرهابيَّة الخاصَّة.

     

    "الزَّمن الحسِّيُّ" روايةٌ قاسيةٌ ومؤثِّرة، تُصوِّر إيطاليا في اللَّحظة التي فقدت فيها براءتها كلِّيَّاً، ولكنَّها أيضاً قصَّة حُبٍّ مكتوبةٌ بنفسٍ شعريٍّ من أوَّل سطرٍ فيها إلى آخر سطر، قصَّة حُبٍّ مستحيلٍ لا يسعنا عند قراءتها إلَّا أن نتذكَّر الأولاد الذين كُنَّاهم يوماً.

     

    حازت الرواية على جائزة (يوليسيس (الفرنسية، وجائزة (Lo Straniero)، وجائزة (Città di Viagrande)، وكانت في القائمة الطويلة لأهم جائزة أدبية إيطالية، جائزة (ستريغا) 2009.

     

    أخيراً جاء الكتاب في 384 صفحة من القطع الوسط.

     

    من الكتاب:

    لي من العمر أحد عشر عاماً، وأعيش وسط قططٍ ينهشها الجرب والتهابُ الرُّغامَى. قططٍ ليست أكثر من هياكل عظميَّةٍ مُعوجَّة، مكسوَّةٍ بالقليل من الجلد المتصلِّب، وموبوءةٍ بالكامل لدرجةِ أنَّ المرء يمكن أن يموت إنْ هو أقدمَ على لمسها. ظهيرةَ كلِّ يومٍ تأخذها الضَّفيرةُ* لتطعمها في نهاية الحديقة التي أمام المنزل. أحياناً أخرج بصحبتها. تتقدَّم القططُ نحونا، منحرفةً إلى أحد الجانبين، وترمقنا بعيونٍ هي قطراتٌ من الماء والوحل. بين هذه الكائنات المحتضرة كنت قد تعلّقتُ برُذالتها، بذاك القابع في الدَّرك الأسفل، غائصاً في الهاوية. كان يرهف السَّمع إلى الخطوات ويحرِّك رأسه ببطءٍ، كأعمىً يأتثرُ لحنَ أغنية. بشعرٍ أسودَ منتفشٍ ومنكمشٍ فوق جلدٍ متقشِّر، يجرجر قائمةً تتوارى بين سائر القوائم. إنه يعرج مُذ كان صغيراً، وهو الآن كبيرٌ، لا لحادثٍ وإنَّما لإعاقةٍ طبيعيَّة.

    ــــــــــ

    *) يستخدم الرّاوي ذو الأحد عشر عاماً أسماء مستعارة لأفراد أسرته المكوّنة من أمّه وأبيه وأخيه ذي الأربعة أعوام؛ فهو يسمّي أمّه «ضفيرة»، وأباه «حجر»، وأخاه «نُدفة القطن».

     

    عن الكاتب:

    جورجو فاستا؛ مؤلِّفٌ وروائيٌّ وكاتبُ سيناريو إيطاليٌّ من مواليد باليرمو 1970. يكتب في الصَّفحات الثَّقافيَّة للعديد من كُبريات الصُّحف الإيطاليَّة كصحيفة La Republica (الجمهوريَّة)، وصحيفة Il Manifesto (البيان)، وغيرهما. حصدَتْ روايته الأولى "الزَّمنُ الحسِّيُّ"، المنشورة في عام 2008، العديدَ من الجوائز كجائزة "مدينة فِيَاغْرانْدِه" في إيطاليا 2010، وجائزة "يوليسيس للرِّواية الأولى" في فرنسا 2011، وكانت من بين الرِّوايات المرشَّحة لجائزة "ستريغا" العريقة لدورة عام 2009. تُرجِمَتْ الرِّواية إلى العديد من اللُّغات كالألمانيَّة والفرنسيَّة والإسبانيَّة والهنغاريَّة والإنجليزيَّة.

    في عام 2010 صدرَ كتابه الثَّاني "غربة" الذي يقول عنه فاستا إنَّه هجينٌ بين الرِّواية والمقالة واليوميَّات؛ وفي عام 2012 صدرَ له مع أندريا باياني، وميكِلا مورجيا، وباولو نوري، كتابٌ جماعيٌّ بعنوان "الحاضر". أمَّا آخرُ كتابٍ له فصدرَ في عام 2016 تحت عنوان "لا شيء على الإطلاق: قصصٌ وحالاتُ اختفاءٍ في الصَّحارى الأمريكيَّة"، ويسردُ فيه فاستا، بأسلوبٍ يجمعُ بين السَّرد الصَّحفيِّ والسِّيرة الذَّاتيَّة، يوميَّات الرِّحلة التي قام بها عبْرَ كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وتكساس ولويزيانا بصحبة المصوِّر الأمريكيِّ من أصلٍ إيرانيٍّ راماك فاضل الذي تخلَّلَت صورُه الفوتوغرافيَّةُ صفحاتِ الكتاب.

    كتبَ مع المخرجتين والممثِّلتين وكاتبتَي السِّيناريو الإيطاليَّتَين إيمَّا دانتي وليتْشيا إمِينِنْتي سيناريو فيلم "شارع كاستِلَّانا باندييرا" الذي عُرِضَ في عام 2013 ورُشِّح لجائزة الأسد الذَّهبيِّ في مهرجان فينيسيا السينمائي.

    تُومِئ إلى وُجهةٍ من غير أن تدُلَّ على طريق..الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب لـ عبد السلام بنعبد العالي

      

     


    كتب : حافظ الشاعر

    صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للمفكِّر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، بعنوان: "الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب". وهو كتابٌ فلسفيٌّ استهلَّه الكاتبُ بمقولةٍ تضعُ القارئ في محلِّ تساؤل عن طبيعة هذه الكتابة: «لا يمكننا التفكير في المتعدِّد من غير إقامة جسور بين الاختلافات، من غير أن نؤكِّد الاختلافات في علائقها المُتبادلة». الكتاب الجديد هو الإصدار الثاني للكاتب عن المتوسط بعد "لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعدني" بداية 2020.

     

    في مقدِّمة الكتاب، يمضي عبد السلام بنعبد العالي، في تفكيكِ عبارة العنوان التي هي اقتباس عن كليطو، الذي اقتبسها بدوره عن مونتيني، وذكَرهُ ضمن محاضرة تحدَّث فيها عن مساره وطريقته في الكتابة.

    ويضيف: في كتابه عن نفسه   Barthes par Barthes، يربط رولان بارت الكتابة المتقطِّعة بأمرَيْن اثنَيْن: الموسيقى، وموسيقى فيبرن على الخصوص، ثمَّ رياضة الكاتش، يُقرِّب بارت التكثيف في الكتابة المتقطِّعة من التكثيف الموسيقي، ليُبيِّن أن الكتابة المتقطِّعة تضبطها موسيقى مغايرة، وأن كثافتها أقرب إلى التكثيف الموسيقي الذي «يضع «النغمة محل "الاسترسال"... فيُومِئ إلى وجهة، كما يتجلَّى هذا في المقطوعات الموجزة لفيبرن: غياب للإيقاع، جلال ومهارة في سرعة التَّخلُّص».

    هذا عن علاقة الكتابة المتقطِّعة بالموسيقى، فما علاقتها برياضة الكاتش؟ نعلم أن صاحب أسطوريات كان قد سَبَقَ له أن عقد مقارنة مطوَّلة بين مباراة الكاتش ومباراة الملاكمة، فاستنتج أن الأخيرة عبارة عن حكاية تُبنَى تحت مراقبة أعين المشاهد. أمَّا في الكاتش، فالمعنى يُستمَدُّ من اللحظة، وليس من الدوام والاستمرار. المُشاهِدُ هنا لا يَشغَل بَالَهُ بعملية تكوُّن ونشأة، وإنما يترقَّب الصورة اللَّحظيَّة لتجلِّي بعض الانفعالات. يستدعي الكاتش، إذنْ، قراءة فورية لمعانٍ تتراكم دونما حاجة لرَبْطها فيما بينها، فلا يهمُّ المُشاهدَ هنا مآل المعركة الذي يمكن للعقل أن يتتبَّعه. أمَّا مباراة الملاكمة، فهي تستدعي معرفة بالمآل، وتبيُّناً للغايات والمرامي، وتنبُّؤاً بالمستقبل. بعبارة أخرى، فإن الكاتش حصيلة مَشَاهد لا يُشكِّل أيٌّ منها دالَّة، تتوقَّف على غيرها من المتغيِّرات: فكلُّ لحظة تتطلَّب إحاطة كُلِّيَّة وانفعالاً ينبثق في انعزاله وتفرُّده من غير أن يمتدَّ، ليُتوِّج مآلاً بأكمله. «في الكاتش تُدرَك اللحظةُ، وليس الدَّيمومةَ». إنه مشهدٌ مَبنيٌّ على الانفصال والتَّقطُّع. وتقطُّعه و«عدم انسجامه يحلُّ محلَّ النظام الذي يُشوِّه الأشكال».

    مباراة الملاكمة حكاية تروي حركة موصولة، تصدر عن أصل، لتمتدَّ في الزمان، كي تسير نحو غاية، أمَّا مباراة الكاتش، فإن دلالاتها تقف عند اللَّحظيِّ الذي لا يتَّخذ معناه من غاية الحركة ومسعاها، ولا تتوقَّف دلالته على كُلِّيَّة خارجية. لا يعني هذا مطلقاً أن الأمر يقتصر على المقابلة بين الزَّمانيِّ واللَّحظيِّ، بين الحركة والتَّوقُّف، بين التاريخ ونَفْيه، بقَدْر ما يعني تمييزاً بين تاريخ وتاريخ: فـ «تاريخ» مباراة الملاكمة تاريخ توليدي تكويني génétique، لا يُدرِك المُشاهِدُ معناه إلَّا إنْ هو بَنَى Construire حكاية تربط الأصل بالغاية، كي ترى في اللحظة، ليس معنى في ذاته، بل حلقة في سلسلة مترابطة، يتوالد فيها المعنى، ولا يكتمل إلَّا عند معرفة المآل. لذا يُعلِّق بارت: «في الملاكمة تقع المراهنة على نتيجة المعركة». أي أن الأمور تكون في الملاكمة بخواتمها، أمَّا في الكاتش، «فلا معنى للمراهنة على النتيجة» لسبب أساس، وهو أن المعنى لا يمثُل في حركة الأصل، ولا يَنتظِرُ المآلَ، وإنما يتجسَّد في غِنَى اللحظة. بيد أن هذا لا ينفي التراكم، ولا يستبعد التاريخ. لكنه ليس التاريخ التَّاريخانيَّ، وهو ليس حركة حاضر ينطلق من أصل لينموَ في اتِّصال وتأثير وتأثُّر حتَّى يبلغ النهاية والغاية والمعنى sens. ليس التاريخ هنا سريانَ المعنى ونُمُوَّه وتطوُّرَه développement في مسلسل مستمرٍّ و«سيرورة» processus متواصلة، وإنما هو إعادة اعتبار لكثافة اللحظة، لكي تحتفظ بثرائها، من غير أن تذوب في الديمومة القاهرة.

    لم أتوقَّف طويلاً عند هذه المقارنة يقول بنعبد العالي، كي أستنتج أن الجاحظ أقرب إلى الكاتش منه إلى الملاكمة، وإنما لأتبيَّن معكم أنه لا يكفينا تحديد طبيعة الكتابة «بالقَفْز والوَثْب» بِرَدِّها إلى حالة نفسية، وتفسيرها بمَلَل القارئ أو حتَّى مَلَل الكاتب، لا يكفينا التأويل السّيكلوجيّ، وإنما لا بدَّ من التأويل "الشِّعْرِيّ" الذي يُمكِّننا من أن نذهب حتَّى القول إنه مَلَل الكتابة ذاتها.

     

    نقرأ على ظهر الكتاب مقولة لمارتن هايدغر، جاء فيها: «مادام هذا الكتاب باقياً أمامنا من غير أن يُقرأ، فإنه يكون تجميعا لمقالات ومحاضرات. أما بالنسبة لمن يقرؤه، فإن بإمكانه أن يغدو كتاباً جامعاً، أي احتضاناً واستجماعاً لا يكون في حاجة لأن ينشغل بتشتت الأجزاء وانفصالها عن بعضها.. إن كان المؤلف محظوظاً، فإنه سيقع على قارئ يُعمل الفكر فيما لم يُفكر فيه بعد».

     

    لا تستهدف الكتابة «بالقَفْز والوَثْب»، إذنْ، خلاصة خطاب، و«زبدة» فكر، وعلى رغم ذلك، فهي ليست نظرة «خاطفة»، ولا هي توقُّف وعدم حراك. إنها «حاضر» متحرِّك، حتَّى لا نقول هارباً. فهي تُومِئ إلى وجهة، من غير أن تدلَّ على طريق.

     

    أخيراً جاء الكتاب في 136 صفحات من القطع الوسط.

     

    من الكتاب:

    ... كان لذلك وَقْعٌ على «الوضع» الأنطلوجي للفرد. فكون الڨيروس قادراً على الانتقال، في أيَّة لحظة، من جسد إلى آخر، يجعل كلَّ جسد من أجساد الجماعة مجرَّد حلقة عضوية ضمن سلسلة، تمتدُّ بن «الأفراد»، وهي حلقة لا خارج لها. ها هنا لا تكفي الفرادة المعنوية للشخص، كي تفصله عن الآخرين، وتُيِّزه عنهم، فيصبح مضطرَّاً إلى «صناعة» مسافات تُبعده عماَّ عداه، و«تعزله» عن «الآخرين» الذين لم يعودوا، في الحقيقة، آخرين بالمعنى المعهود، وإنما غدوا امتداداً للذات. من هنا هذا الشعور الغريب الذي اجتاح الجميع منذُ انتشار الوباء بأن الفرد لم يعد مسؤولاً عماَّ يظهر عليه من أعراض. لم يعد الأفراد مسؤولين، كلٌّ عن جسده، وإنما عن جسدٍ غريب، لا يخصُّ شخصه، وإنما هو جسد ممتدٌّ عر كلِّ الآخرين، موصول إليهم. صحيح أنه يلجأ إلى عزله عنهم، واتِّخاذ مسافات منهم، إلَّ أنه لا يضمن أنهم جميعُهم سيتصرَّفون على النحو نفسه بهذا الجسد الممتدِّ الذي أصبح يتقاسمه معهم. عندما كان الفرد يصاب بمرض لا «يعنيه» إلَّ هو وحده، كان يستطيع التَّحكُّم فيه تحمُّاً وعلاجاً وصراً ومكابدة، كان يتحمَّل مسؤوليَّته، كانت له «هُوِيَّة صحِّيَّة» تتحمَّل مسئوليَّتها الأخلاقية. أمَّا وقد غدا «جسده» المريض حلقة في سلسلة ممتدَّة، فإنه لم يعد قادراً على القول: «أنا جسدي» على حدِّ قول ميرلو بونتي.

     

    عن المؤلِّف:

    عبد السلام بنعبد العالي؛ مفكر وكاتب ومترجم وأستاذ بكلية الآداب في جامعة الرباط، المغرب. من مؤلفاته: الفلسفة السياسية عند الفارابي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، حوار مع الفكر الفرنسي، لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعدني. في الترجمة، ضيافة الغريب، جرح الكائن، القراءة رافعة رأسها. ومن ترجماته: الكتابة والتناسخ لعبد الفتاح كيليطو، أتكلم جميع اللغات لعبد الفتاح كيليطو، درس السيميولوجيا لرولان بارت.

    الدكتور عادل عامر يكتب عن :المال السياسي في الحياة البرلمانية(2/2)

      


     


    مع كل انتخابات برلمانية يطل علينا المال السياسي بالملايين من الجنيهات من قبل بعض المرشحين للانتخابات بمجلس النواب بحثاً عن شراء المقاعد النيابية بالمال الحرام والطرق غير المشروعة دون ان يكون لهم خبرة في العمل العام او السياسي ومبادئه وتقاليده متصورين أن الفهلوة هي الحل من خلال أساليب التضليل والنفاق والكذب مستخدمين أنصاف الرجال المأجورين دون مبادئ بحثاً عن المصالح الشخصية والانتهازية.

     

     لابد من ايجاد أليه لتفعيل القانون الذى حدد عقوبة الشطب ضد كل من يستخدم المال السياسي لأنه يسعى الى تحذف مصطلح المال السياسي من قاموس دولة مصر الحديثة، هو توجه للرئيس السيسي أرساه منذ توليه المسئولية، عندما كشف أنه ليس له حزب سياسي، ويقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية، وأن ظهيره الشعب المصري، يرجع إليه في أي وقت يحتاج إلى رأيه، المال السياسي هو المسئول الأول عن زواج المال بالسلطة في العهد الماضي، ففسد المال، وفسدت السلطة، وفسدت الحياة السياسية، وثار الشعب عندما وصل الأمر إلى توريث الحكم، بعد سيطرة فصيل واحد على مفاصل الدولة، وعلى الأغلبية الميكانيكية الكاسحة في البرلمان، وترتب على ذلك تهميش الأحزاب السياسية، وتحويل البرلمان إلى «ختامه» لقرارات الحكومة،

     

    إن مصر تسير على الطريق الصحيح بقوانين غير مسبوقة للانتخابات تطمئن الناخب بأن صوته في الصندوق هو ما ستعلن عنه النتائج، دور لهيئة الوطنية للانتخابات وقانونها الذى يحتوى على ضمانات عالمية يحقق الاستقرار السياسي الحقيقي للانتخابات التي ستتسم بالنزاهة والشفافية،

     

    وهو ما تبناه الرئيس السيسي فى بناء دولة ديمقراطية عصرية يسود فيها الاستقرار السياسي. كل ذلك يؤكد أن تأثير المال السياسي سيكون من رابع المستحيلات فى المرحلة الحالية بعد أن كان أحد مساوئ العهد الماضي فى جميع الانتخابات التى أجراها، وكان أخطرها عام 2010، يكثر الحديث الآن في وسائل الإعلام عن استخدام مصطلح المال السياسي ، الذي يقصد به ذلك التزاوج الغير مشروع ما بين المال والسياسة ، فاستخدام المال السياسي هو من أجل تحقيق العديد من الأهداف ، والتي على رأسها الوصول إلى الحكم أو الاستمرار فيه ، ومن أجل أيضا الحصول أو الإبقاء على كراسي المجالس النيابية أو البلدية أو غيرها من مواقع الجاه والوجاهة .

     

     وجرت العادة أن تظهر مظاهر المال السياسي بشكل عام في كل من الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية وحتى النقابية ، ويستخدم المال السياسي كذلك عند تقديم القروض والمعونات من قبل الجهات المقرضة أو المانحة وذلك للضغط على الدول الأخرى من أجل تبني سياسات معينة قد لا تعني شعوب تلك الدول بشيء. فعلى سيبل المثال تستخدم الدول الكبرى والمهيمنة في العالم المال السياسي تحت مسميات مختلفة منها المساعدات والمعونات ، ولكن كلها في الغالب بهدف فرض قيود وسياسات معينة تفيد الدول مقدمة تلك المساعدات أولا وأخيرا . وكذلك تقوم أيضا جهات التمويل العالمية والمسيطر عليها من قبل القوى الكبرى بفرض سياساتها وهي سياسات اقتصادية مجحفة على الدول الأخرى ، وكلها لجر تلك الدول للعمل في فلكها وتتبع سياسات معينة تفرضها عليهم . وكذلك تستخدمه الدول الدكتاتورية من أجل استمرارها في الحكم ، ولذلك تلجأ إلى محاولاتها المستميتة إلى رشوة بعض شرائح المجتمع الفاعلين من أجل مدحهم وتسويق سياساتهم ومواقفهم والتصويت لزبائنهم وهكذا .

     

    وكذلك يستخدم المال السياسي بعض رجال المال والأعمال الذين يطمحون للوصول إلى مواقع سياسية معينة مثل كرسي في مجلس النواب أو ما شابه ذلك ، وذلك لاستمالة الناخبين واستغلال حاجة بعض الأفراد للمال أو المعونات من أجل أن يصوتون إليهم وينتخبونهم لهذا الموقع أو ذالك . ومثال ذلك ما هو متعارف عليه على سبيل المثال في إحدى البلدان ب ( الزفت ) بمعنى تزفيت إحدى الشوارع بهدف كسب تأييد الناس ، أو توزيع كوبونات شرائية وتقديم بعض الأطعمة والحلويات وما شابه ذلك . ويعد أيضا من أمثلة المال السياسي صرف ملايين الجنيهات على الإعلانات المرئية منها والمقروءة سواء تلك التي في الشوارع والميادين أو في الصحف والإذاعة والتليفزيون أو على مواقع التواصل الاجتماعي ، وكذلك استغلال بعض المرشحين لبعض الكتبة لمدحهم بمقابل مادي وليس على أساس الكفاءة أو الخبرة أو البرنامج الانتخابي ... الخ .

     

    وبكل تأكيد فان لتلك الظواهر العديد من الآثار السلبية على الاقتصاد والمجتمع ، فان صرف المال السياسي بهذه الطريقة يمثل رشوة وتبادل للمنافع الشخصية عل حساب المصلحة العامة ، وهو بكل تأكيد كسب غير مشروع واستغلال لحاجات البعض ، وهو يساعد على نشر ثقافة الرشوة والتشجيع على شراء الذمم وتكاثر الفاسدين . ومن هنا فان محاربة ومواجهة هذه الظاهرة هو واجب الجميع من خلال العودة إلى منطق المصلحة العامة ، والى الفوز بالمقعد النيابي أو غيره من خلال العمل الجاد المخلص والبرامج العملية التي تخدم المواطنين والدول صاحبة الشأن لما فيه خير مواطنيها ، وكل ذلك من خلال نشر الديمقراطية والحرية والنزاهة بشكل حقيقي .

     

    فبالأمس صدر تقرير مهم من "الاتحاد العربي لمكافحة الجرائم الاقتصادية وغسيل الأموال" حول حجم الأموال التي تم إنفاقها في الدعاية الانتخابية لبرلمان مصر 2015 بمرحلتيه الأولى والثانية ، وقدر التقرير حجم هذه الأموال بحوالي 20 مليار جنيه ، وهى تقديرات ليست نهائية قد تزيد عن هذا الرقم بكثير ، فحجم الأموال التي يتم صرفها لا تظهر بالشكل الحقيقي ، بسبب عدم وجود رصد ومتابعة حقيقية وآلية للرقابة على حجم هذه الأموال ، وابتكار أشكال جديدة من الدعاية لم تظهر من قبل في الانتخابات المصرية .

     

    فعلى سبيل المثال لجأ أحد المرشحين إلى حيلة ووسيلة جديدة في الدعاية ، حيث استأجر طائرة هليكوبتر تطوف في سماء دائرته لإلقاء الهدايا والبيانات والدعاية الانتخابية على أهالي الدائرة ، ومرشح آخر اصطحب أسدا داخل قفص حديدي في جولته الدعائية وسط حراسة أمنية ، ومرشح أعلن عن تحمله تكلفة إجراء عمليات جراحية مجانية لحوالي 500 شخص ، وأحد المرشحين أعلن تحمله تكلفة العمرة لحوالي 500 شخص من أبناء دائرته . كل ذلك بالإضافة إلى المال المباشر الذي يتم توزيعه مقابل التصويت للمرشح وهى الظاهرة المستمرة من المرحلة الأولى ومن الانتخابات السابقة ، وإن كنا نتوقع أن الانتخابات الحالية لن يظهر فيها المال السياسي بهذا الحجم .

     

    إن الأرقام مزعجة وتثير تساؤلات كثيرة حول هذه الأموال ، ومن أين تأتى هذه الأموال ، ولماذا تنفق بهذا الشكل وما النوايا الخفية من إنفاقها . هذا جرس إنذار مبكر للدولة بأجهزتها التنفيذية ، خاصة أجهزتها الرقابية حتى لا يتحول البرلمان المقبل إلى وسيلة فساد جديدة من قبل الذين أنفقوا 20 مليار جنيه في الانتخابات ،

     

     فلابد أن تعلن الدولة عن كيفية محاسبة النائب ومطالبته بتقديم إقرار ذمة مالية لحظة دخوله البرلمان وفى كل عام ، وإعادة النظر في مسألة الحصانة بأنها لصالح النائب داخل البرلمان وتحت القبة فقط ، ولا يصطحبها معه إلى خارج البرلمان في المصالح الحكومية وغيرها لتحقيق مصالحه الشخصية ، ومحاولة تعويض ما خسره وأنفقه في الانتخابات البرلمانية .

     

    إن القضية خطيرة ، وعلى الحكومة دراسة ظاهرة المال السياسي بعد أن تم الانتهاء من الانتخابات البرلمانية ، وكيفية تحجيم هذه الأموال العشوائية ، وتوظيفها لصالح مشروعات قومية وليس لصالح أغراض خاصة . فهناك حجم سيولة مهولة داخل الدولة ، والحكومة ليس لديها الوسائل لتوظيفها داخل القنوات الشرعية لها وليس في سراديب الاقتصاد الأسود والمال السياسي الحرام .

     

     إن البرلمان المقبل سيظل تحت المنظار والمتابعة والمراقبة ، والنواب سيتم مراقبة سلوكهم وتصرفاتهم خارج البرلمان . فهل ينجح النواب في إجهاض المخاوف وإثبات أنهم أنفقوا هذه الأموال من أجل الصالح العام وخدمة أبناء الدائرة وخدمة الوطن ، أم أنهم سيخيبون الظن بهم ويعيدون إنتاج فساد ما سبق من ظاهرة نواب الأراضي و نواب القروض ونواب المخدرات ... الخ.

     

    إن شراء الأصوات والمال السياسي ظاهرة لا تقل في خطورتها علي الحياة السياسية وعلي المرحلة الراهنة من عمر البلاد عن خطر الإخوان ، وتعد هذه الظاهرة الأبرز بعد اختفاء الإخوان من المشهد السياسي ولكنها لا تختلف كثيرا عن الزيت والسكر واستغلال الفقر الذي يعاني منه قطاع عريض من الشعب .

     

    أننا هنا نعلن الحرب علي المال السياسي وشراء أصوات الناخبين ، إذ انه ليس بهذا الشكل تبني الأوطان ، ونتساءل ما فائدة ثورتين وانتخابات برلمانية ومجلس نواب مبني علي الغش والرشوة ولا يعبر عن إرادة شعب لطالما حلم بمستقبل أفضل تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة للمواطنين ، ويدافع فيه مجلس النواب عن حقوق وحريات القطاع الأكبر من الشعب وهم الفقراء والبسطاء . إن مجلس النواب لابد أن يبني علي إرادة الشعب لا حاجته ، فماذا سيقدم نائب دفع من أمواله الخاصة لشراء أغلبية أصوات ، هل سيحقق منفعة لنفسه أم منفعة للشعب .

     

     إن المشكلة الكبرى في سيادة ثقافة الفساد وانتشارها بين قطاعات واسعة ومختلفة ، وعدم اقتصارها على المرشحين ، بل إن بعض المواطنين يشتركون في الجريمة من خلال تقبلهم لمبدأ بيع الصوت ومن خلال إقدامهم على مد أيديهم للمرشحين ، ومن خلال سعي بعضهم للبحث عمن يشتري ، والمبادرة بالعرض بلا وازع من ضمير أو خلق أو دين ، فهؤلاء وأمثالهم يستحقون التوقيف والمساءلة والعقاب بالقدر نفسه الذي يستحقه أصحاب المال السياسي والقضية المهمة التي يجب الالتفات إليها ، أن صناعة هذه الثقافة قد تمت في مراحل سابقة تحت بصر الجهات الحكومية والرسمية ودرايتها التامة ، مما جعل هذا الأمر مستمرا ومشروعا لدى بعض القطاعات والشرائح ، ومما أسهم في زيادته وشيوعه وخضوعه لعمليات تطوير مذهلة وصلت إلى حد الإبداع والإتقان الذي يصعب كشفه ويصعب محاربته واجتثاثه .

     

    إن طي صفحة الماضي ، وطي صفحة المال السياسي الذي لعب دورا وما زال يلعب حتى هذه اللحظة لن يتم بتلك السهولة التي يتوقعها البعض ، ولن يتم بمجرد رغبة المسئول في وقت ما وفي موقع ما ، وإنما تأتي المعالجة الصحيحة لهذا الشأن الخطير، ضمن منظومة متكاملة من الإصلاحات الشاملة التي تتناول الجانب التشريعي والقانوني ،

     

    كما تتناول الجوانب الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بحيث تصبح نقطة تحول جذري تطال منهجية إدارة الدولة وطريقة تشكيل الحكومة ، وطريقة اختيار أصحاب مواقع المسؤولية في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها ، لأنّ الفساد منظومة متكاملة ترسخت عبر الزمن وتجذرت وأصبحت متخفية في أودية ثقافية وأعراف وتقاليد شائعة اكتسبت عبر الزمن مزيدا من شرعية التقبل الاجتماعي عبر الممارسة المتكررة المسكوت عليها .

     

     فلا بد إذن من اتخاذ قرار توافقي حاسم ، تشترك فيه كل الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية بالاعتراف بالأخطاء السابقة والانتقال نحو مرحلة جديدة كليا ، بوجوه جديدة ومنهجية جديدة وتشريعات جديدة وثقافة جديدة وسياسات جديدة قادرة على بناء دولة مصر الحديثة ، الخالية من الفساد والفاسدين وخالية من دور حيتان المال الفاسد بشكلٍ جذري وقطعي ، وقبل ذلك ترسيخ معاني الانتماء الوطني الحقيقي الذي يخلو من الانتماء المصلحي واعتبار مصر مجرد بقرة حلوب أو مرفق لقضاء الحاجة .

     

    إن الظروف السائدة في المنطقة تتطلب الدفع بنواب أقوياء لسدة البرلمان قادرين على التعامل مع هذا الواقع ، والقيام بمهامهم التشريعية والرقابية بكفاءة واقتدار. ورغم أن شبح المال السياسي لن يغيب بالكامل مهما فعلنا ، إلا أن الرهان والتحدي والمسؤولية هو على المصريين جميعا وعلى أصحاب الشأن وكل من لديه ذرة من المسؤولية وحب الوطن وتمنى رفعته للحد منه .

     

    *كاتب المقال

     

    دكتور القانون العام

     

    محكم دولي معتمد

     

    وعضو المجلس الأعلى لحقوق الإنسان

    الدكتور عادل عامر يكتب عن : المال السياسي في الحياة السياسية

     



     

    في الحياة العامة عادة ما يقال المال قوة، حتى في الدين جاء ذكر المال. المال عصب الحياة. الكل يلهث وراء المال، ويقال أيضاً المال يشتري كل شيء. عبارات كثيره تلحق بالمال دلالة على قوته في تحقيق المطالب والرغبات. هذه المقولة لها أوجه كثيرة، وتوظفها كل النظم السياسية، الديمقراطية والديكتاتورية الشمولية، وحتى الجماعات والحركات توظف المال في شراء حاجة الفقراء للمال.

     

    ويقال في السياسة الأمريكية عادة «المال لبن السياسة»، وتوفر البيئة السياسية الأمريكية بيئة صالحة لتأثير المال، وذلك إشارة لما يلعبه المال في تحريك السياسة على الرغم من ديمقراطية النظام وتقنين الاستخدام السياسى للمال. إلاّ أن النظام السياسي الأمريكي نظام مفتوح، بمعنى كل شيء بالانتخابات، والانتخابات تحتاج لنفقات مالية تتوفر لدى اللوبيات ورجال المال والشركات والأغنياء.

     

    هذه هي حقيقة النظام السياسي الأمريكي الذي يقوم على المال. ولا يقتصر تأثير المال على النظام السياسي الأمريكي فحسب؛ بل على كل النظم السياسية الغربية؛ حيث يلعب المال دوراً محورياً في التأثير على بؤر صنع القرار السياسي بما يخدم أصحاب المال، وذلك في صورة قوانين معينة، أو فرض ضرائب أو تخفيضها، أو فرض رسوم جمركية. وبمقابل هذه النظم السياسية الديمقراطية، قد يكون للمال تأثير أكبر في النظم الشمولية والديكتاتورية، ففي هذه النظم فإن الدول هي التي تحتكر المال، ويكون الاقتصاد تابعاً للسياسة، وتحتكر الدولة كل مصادر الثروة والمشاريع الإنتاجية، وتتحكم في مصادر المال، فالدولة هي من توظف، وتمنح الدعم المالي.

     

    من هنا، فإن المال يلعب دوراً كسلاح لضمان تأييد النظام الحاكم، وحتى هناك إمكانية لشراء المعارضة السياسية. ويلتقي المال والسياسة عند دائرة مشتركة، فالسياسة تُعرف بأنها ممارسة القوة للتأثير على سلوك الآخرين لتتوافق تصرفاتهم ومواقفهم مع من يمارس القوة أي السياسة، والمال عنصر القوة الأهم، بل إن المال يدخل في كل مكونات القوة الشاملة من صلبة وناعمة، فلا يمكن توفير النفقات العسكرية من دون المال الضخم، ولا يمكن القيام بالمشاريع الاقتصادية من دون المال. ومن هنا المال هو عصب السياسة، وهما وجهان لعملة واحدة. ونظراً لأهمية المال ودوره في السياسة؛ فإنه يعتبر من أهم أدوات السياسة الخارجية التي توظفها الدول الغنية على الدول الفقيرة، وتربط بين دعمها المالي ومنحها المساعدات والمنح المالية وبين الموقف السياسي المطلوب منها أن تتبنّاه.

     

    وقد تذهب مثل هذه الدول كالولايات المتحدة لتهديد المنظمات الدولية بسحب دعمها لها. وتوظيف المال في السياسة الأمريكية واضح في علاقاتها بالسلطة الفلسطينية وربط المساعدات بالموافقة على كل القرارات السياسية الأمريكية وعدم الاعتراض عليها، وخصوصاً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وربط هذه المساعدات بالموافقة على «صفقة القرن». ولأن السلطة رفضت مسبقاً هذه الصفقة فقد أوقفت الولايات المتحدة كل دعمها للسلطة الفلسطينية، والمثال نفسه ينطبق أيضاً على سحب واشنطن دعمها لوكالة «الأونروا» بهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

     

    ولا تتوقف صور المال السياسي على الدول، بل إن الصناديق المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي تقدم قروضها ومساعداتها ومنحها المالية وفقاً لشروط تطلب من الدول، وهذه الشروط في الكثير من الأحيان تمس سيادة الدولة. وقد تقف وراء الكثير من الاحتجاجات التي اندلعت فيها وهددت بقاء النظم. ولعل من أخطر صور توظيف المال خدمة لأهداف سياسية، الدعم الذي تقدمه الدول الغنية للجماعات المسلحة المتشددة والتي من خلالها تتحكم في بوصلة الكثير من الأزمات كما في سوريا.

     

    وأخيراً المال قد يحدد مكانة الدولة، فحجم المال يكون بحجم الدولة وتأثيرها في القرار السياسي الإقليمي والدولي. هذه هي الصورة السلبية لاستخدام المال.

     

    لكن للمال صورة إيجابية وأخلاقية، تتمثل في المساعدات الإنسانية التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة في أوقات النكبات الطبيعية، وتتمثل في بناء المدارس والمستشفيات وإعادة الحياة للمنكوبين والفقراء في العديد من الدول. هذه الصورة الأخلاقية نلمسها في الدعم الإنساني الذي يقدمه العديد من الدول العربية النفطية وغيرها من الدول كالاتحاد الأوروبي. متلازمة السياسة والمال أو السلطة والثروة لا تخرج عن منطق وتعريف السياسة الواقعية كصراع على المصالح والنفوذ، إلا أن هذه المتلازمة تخرج عن سياقها كإحدى آليات ممارسة السلطة وتتحول لمثلبة سياسية وأخلاقية عندما تتغول الثروة على السلطة باعتبار هذه الأخيرة منظومة متكاملة من القانون والأخلاق والمصالح تعمل من أجل المصلحة العامة.

     

    هذه الظاهرة صاحبت الحياة السياسية الداخلية والدولية منذ ظهور السلطة والدولة وفي جميع المجتمعات: المتقدمة والمتخلفة، الديمقراطية وغير الديمقراطية، الغنية والفقيرة، كما إنها ظاهرة عابرة للحدود والأيديولوجيات مع تفاوت بطبيعة الحال من مجتمع لآخر وهو تفاوت يعود لوعي الشعب ومدى التقدم في مجال الديمقراطية والحكامة.

     

    كثير من القضايا الخلافية وأوجه الصراع الداخلي أو الدولي والتي تحتار عقول المحللين والباحثين في استجلاء مكنوناتها وفك رموزها، يمكن الاقتراب من فهمها لو بحثنا عن شبكة المصالح ودور المال السياسي، وكما يقول المثل عندما تستعصي مشكلة (أبحث عن المرأة)، يمكن أيضا القول اليوم في عالم السياسة (ابحث عن المال السياسي).

     

    صحيح، إن السياسة وخصوصا الواقعية والتي تسود في عصرنا تؤَسَس على المصالح أو أنها الصراع على المصالح. في السياسة الخارجية صراع حول ومن أجل المصالح القومية، وفي الداخل صراع بين المكونات والفئات الاجتماعية والأشخاص –طوائف وثقافات فرعية ونقابات الخ- إلا أن الصراع في الحالتين يجب أن يخضع للقانون ويلتزم بالمعايير الديمقراطية للمنافسة.

     

    عندما يتم تجاوز القانون الدولي والشرعية الدولية بالنسبة للصراعات الدولية يتم وسم سلوك الدولة بالعدوان أو سلوك استعماري وامبريالي، وعندما يتم تجاوز القانون الداخلي من طرف الحكام لتعزيز واستمرار سلطتهم يتم وسم النظام بأنه نظام استبدادي أو دكتاتوري، وإن تم تجاوزه من طرف رجال السلطة ومن أصحاب الثروة والجاه يتم الحديث عن الفساد السياسي.

     

    فعلى مستوى الحياة السياسية الوطنية فإن القول بأن دولة ما ديمقراطية والديمقراطية تعني (حكم الشعب) لا يعبر إلا نسبيا عن حقيقة السلطة والحكم فيها ولا يعني أن الشعب يحكم بالفعل، فمن يحكم بالفعل نخبة المال والاقتصاد ذات القدرة على توجيه الرأي العام من خلال التحكم بمصادر الثروة ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، والتحكم بالماكينة الانتخابية وخصوصا أن الحملات الانتخابية اليوم وخصوصا الرئاسية تكلف ملايين الدولارات وهو ما لا يقدر عليه المواطنون العاديون.

     

    في زمن العولمة والثورة المعلوماتية وتحول موائل الثروة فإن من يملك المال والثروة والمكانة الاجتماعية المقرونة غالبا بالثروة هم الذين يفوزون بالانتخابات ويتحكمون بمصير البلد وغالبا ما يتم توجيه الماكينة الانتخابية بما يتوافق مع إرادة الأقوياء ولا يُستثنى من ذلك الدول الديمقراطية، ولكن في هذه الأنظمة يقف القانون والوعي الشعبي كابحا لأي تمادي للنخب ولسلطة المال، وما يشفع لهذه الأنظمة أن المال يقترن بالعلم والمعرفة أكثر مما هو مقترن بالفساد السياسي.

     

    الفساد السياسي الناتج عن اقتران المال بالسياسة أو السلطة بالثروة قد يأخذ طابعا اخلاقيا كالفضائح الجنسية لمسئولين كبار في الدولة كما جرى مع الرئيس كلنتون من مونيكا لوينسكي والفضائح الاخلاقية للرئيس ترامب أيضا فضائح الاغتصاب لرئيس إسرائيل السابق موشيه كاتساف والتي تم الحكم عليه بالسجن سبع سنوات وفضائح أخرى لزعماء ومسئولين في أكثر من بلد، وقد يأخذ الفساد طابعا ماليا عندما يتم توظيف المواقع السلطوية أو سلطة المال لتحقيق أهداف خاصة بعيدا عن القانون وخروجا وتحايلا على مقتضياته، كما هو الحال اليوم مع فضائح فساد نتنياهو، إلا أن أخطر وأسوء اشكال الفساد السياسي المقترن بالمال عندما يتصرف سياسيون بوعي منهم ضد مصالح أوطانهم من أجل المال والمصالح الشخصية، في هذه الحالة نتحدث عن الخيانة الوطنية.

     

    عند الأنظمة غير الديمقراطية أو التي تتلمس خطواتها نحو الديمقراطية كما هو الحال في الدول العربية فهذه الأنظمة تستمد مبرر وجودها أو شرعيتها في الحكم مما في يدها سلطة مستمدة من الثروة التي تحصلت عليها إما بالوراثة أو عن طريق انقلابات عسكرية أو من الاقتصاد الريعي، وكل الحديث عن شرعيات أخرى دينية أو ثورية أو وطنية أو دستورية انتخابية مجرد لغو. في العالم العربي يلعب المال السياسي دورا مهما في الحياة السياسية وهو الذي يقف وراء أغلب أشكال الفساد السياسي والأخلاقي والمالي بل هو وراء انهيار مجتمعات وتفكيك دول.

     

    في العالم العربي لم يعد التأييد الشعبي أو إرادة الأمة أو البرنامج السياسي والاجتماعي مصدر قوة الحزب أو الشخص الذي يتبوأ مركز السلطة أو يسعى لها بل ما يملك من مال وثروة ومن سند خارجي يدعمه بالمال أو السلاح، بحيث يجوز القول بأن المتواضعات والتوازنات السياسية داخل البلد واستقراره السياسي لم يعد مصدرها عقد اجتماعي يمثل إرادة الأمة أو المظاهر الشكلانية للديمقراطية بل قوة المال وتوازنات إقليمية ودولية، وبما يستطيعه المال من سلاح وشراء ذمم وإخضاع بالإكراه الخ.

     

    حتى في الدول التي تجري فيها انتخابات نلاحظ أنه نادرا ما يهتم المواطن بالبرنامج السياسي للأحزاب والشخصيات المرشَحة للانتخابات بل يهتم بالشخصيات نفسها من حيث مكانتها الاجتماعية وثروتها وما يمكن تحصيله منها من منافع مادية خلال الحملات الانتخابية أو بعدها، كما أن الأحزاب نفسها لا تهتم كثيرا بصيغة البرنامج السياسي لأنها تعرف أن غالبية الشعب لا تقرأ البرامج السياسية والتي غالبا تكون متشابهة في ظل انهيار الأيديولوجيات الكبرى، بل تشتغل الماكينة الانتخابية لغالبية المرشحين على خطاب ديماغوجي يتحدث عن المثاليات ويُغدق وعودا كاذبة بالعمل والوظيفة كما تشتغل الماكينة الانتخابية على كيفية شراء ذمم الناخبين.

     

    المُستجد في الأمر تغوّل المال السياسي على الأخلاق والقوانين السياسية الوطنية والدولية ودخوله مجالات جديدة، ويمكن رصد أربعة مجالات استجدت على الظاهرة:-

     

    1- توظيف من يملك المال والثروة لتقنيات الثورة المعلوماتية –فضائيات وشبكات تواصل اجتماعي الخ - للتأثير على الرأي العام والتلاعب بعقول الناس ليس فقط على الرأي العام الداخلي بل أيضا على الحياة السياسية وعلى العملية الانتخابية لدول أجنبية. مثال ذلك الاتهامات التي وجهتها بعض الجهات في واشنطن لموسكو متهمة إياها بالتأثير على الانتخابات الرئاسية، أيضا ما يروج من حديث عن تأثير المال الخليجي في اللعبة السياسية وخصوصا السياسة الخارجية لإدارة ترامب، وتوقيف الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي بتهمة تلقي رشاوى من القذافي خلال حملته الانتخابية.

     

    2- إفساد المال للحياة السياسية لم يقتصر على الدول المستقرة والمستقلة بل تجاوزها إلى بعض حركات التحرر والقوى المعارضِة للأنظمة والتي تبرر وجودها بمقاومة فساد الأنظمة، حيث إن فساد هذه الجماعات وكما ظهر في فوضى الربيع العربي لا تقل عن فساد الأنظمة وتأثير المال السياسي الخارجي في رسم وتوجيه سياسات هذه الجماعات لا يقل عما هو موجود عند الأنظمة.

     

    3- التوظيف الفج والعلني للمساعدات التي تقدمها الدول الكبرى للدول الصغيرة كأداة ضغط وابتزاز للتأثير على مواقفها السياسية في القضايا الدولية وقطع المساعدات عنها في حالة اتخاذها مواقف مخالفة لمواقف الدول الكبرى، ونموذج ذلك قطع أو التهديد بقطع المساعدات التي تقدمها واشنطن للدول التي صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الفلسطينيين وضد السياسة الأمريكية بخصوص القدس.

     

    4- ما يقوم به الرئيس الأمريكي ترامب من ابتزاز لدول الخليج من خلال إعلانه أن على دول الخليج ان تدفع مقابل حماية واشنطن لها.

     

    5- لم تعد الديمقراطية تنافس حر بين أحزاب على أصوات الشعب على أساس برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، بل صراع بين نخب المال والثروة يتم فيها توظيف الماكينة الانتخابية للوصول إلى السلطة.

     

    وأخيرا فإن الديمقراطية اليوم انفصلت عن مضمون دلالتها اللغوية (حكم الشعب) وأصبحت آلية للصراع على السلطة بين نخب المال والثروة أو حكم نخب المال والنفوذ بواسطة الشعب، حيث لم يعد أمام الشعب إلا أن يختار الأقل سوء من هذه النخب.

    *كاتب المقال

    دكتور القانون العام

    محكم دولي معتمد

    وعضو المجلس الأعلى لحقوق الانسان

    Scroll to Top